البلدان لليعقوبي - اليعقوبي، أحمد بن إسحاق - الصفحة ٦٦ - سر من رأى
المنتصر [١] قصر المعتصم المعروف بالجوسق، و أنزل ابنه إبراهيم المؤيد [٢] بالمطيرة، و أنزل ابنه المعتز [٣] خلف المطيرة مشرقا بموضع يقال له بلكوارا فاتصل البناء من بلكوارا إلى آخر الموضع المعروف بالدور مقدار أربعة فراسخ، و زاد في شوارع الحير شارع الإسكر و الشارع الجديد، و بنى المسجد الجامع في أول الحير في موضع واسع خارج المنازل لا يتصل به شيء من القطائع، و الأسواق، و أتقنه، و وسّعه، و أحكم بناءه، و جعل فيه فوارة ماء لا ينقطع ماؤها، و جعل الطرق إليه من ثلاثة صفوف واسعة
فيها ليلا سنة ٢٤٧ ه/ ٨٦١ م، لغراء ابنة المنتصر و لبعض الشعراء هجاء في المتوكّل لهدمه قبر الحسين و ما حوله، سنة ٢٣٦ ه، كثرت الزلازل في أيامه، فعمّر بعض ما خرّبت. و كان يلبس في زمن الورد الثياب الحمر، و يأمر بالفرش الأحمر، و لا يرى الورد إلّا في مجلسه، و كان يقول: أنا ملك السلاطين و الورد ملك الرياحين و كلّ منا أولى بصاحبه.
[١] المنتصر: هو محمد، المنتصر بالله، بن جعفر، المتوكّل على اللّه، بن المعتصم أبو جعفر، من خلفاء الدولة العباسية، ولد في سامرّاء سنة ٢٢٣ ه/ ٨٣٨ م، بويع بالخلافة بعد أن قتل أباه سنة ٢٤٧ ه، و في أيامه قويت سلطة الغلمان، فحرّضوه على خلع أخويه المعتزّ و المؤيّد، و كانا وليي عهده، فخلعهما. و هو أول من عدا على أبيه من بني العباس، و لم تطل مدّته، و كان إذا جلس إلى الناس يتذكر قتله لأبيه فترعد فرائصه، قيل: مات مسموما بمبضع طبيب، و وفاته سنة ٢٤٨ ه/ ٨٦٢ م بسامرّاء، و مدة خلافته ستة أشهر و أيام، و هو أوّل خليفة من بني العباس عرف قبره، و كانوا لا يحفلون بقبور موتاهم، إلّا أن أمه طلبت إظهار قبره. و كان له خاتمان نقش على أحدهما: «محمد رسول اللّه»، و على الثاني «المنتصر بالله».
[٢] عزله أخوه المعتزّ في رجب سنة ٢٣٢ من ولاية العهد، و ضربه و قيّده فمات بعد أيام فخشي المعتز أن يتحدّث عنه أنه قتله أو احتال عليه، فأحضر القضاة حتى شاهدوه و ليس به أثر.
[٣] المعتزّ: هو محمد، المعتزّ بالله، بن جعفر، المتوكّل على اللّه، بن المعتصم، خليفة عباسي، هو أخو المنتصر بالله، ولد في سامرّاء سنة ٢٣٢ ه/ ٨٤٦ م، و عقد له أبوه البيعة بولاية العهد سنة ٢٣٥ ه، و أقطعه خراسان، و طبرستان، و الرّيّ، و أرمينية، و أذربيجان، و كور فارس، ثم أضاف إليه خزن الأموال في جميع الآفاق، و دور الضرب، و أمر أن يضرب اسمه على الدراهم، و لما ولي المستعين بالله سنة ٢٤٨ ه، سجن المعتز، فاستمر إلى أن أخرجه الأتراك بعد ثورتهم على المستعين، و بايعوا له سنة ٢٥١ ه، فكانت أيامه أيام فتن و شغب.
و جاءه قوّاده فطلبوا منه مالا لم يكن يملكه، فاعتذر، فلم يقبلوا عذره، و دخلوا عليه فضربوه، فخلع نفسه، فسلّموه إلى من يعذبه، فمات بعد أيام شابا، قيل: اسمه الزبير، و قيل طلحة، و كان فصيحا، له خطبة ذكرها ابن الأثير في الكلام على وفاته، قال ابن دحية: كان فيه أدب و كفاية فلم ينفعه ذلك لقرب قرناء السوء منه، فخلع، و ما زال يعذّب حتى مات بسرّمنرأى، و قيل: أدخل في الحمام فأغلق عليه حتى مات، سنة ٢٥٥ ه/ ٨٦٩ م. و كانت مدة خلافته ثلاث و عشرون سنة و ستة أشهر و أربعة عشر يوما.