البلدان لليعقوبي - اليعقوبي، أحمد بن إسحاق - الصفحة ٢٥ - بغداد
بالذرع، و المساحة، و قسمة الأرضين حتى اختط مدينته المعروفة بمدينة أبي جعفر [١]، و أحضر البنائين و الفعلة و الصناع من النجارين، و الحدادين، و الحفارين، فلما اجتمعوا و تكاملوا أجرى عليهم الأرزاق، و أقام لهم الأجرة، و كتب إلى كل بلد في حمل من فيه ممن يفهم شيئا من البناء فحضره مائة ألف من أصناف المهن و الصناعات.
خبّر بهذا جماعة من المشايخ أن أبا جعفر المنصور لم يبتد البناء حتى تكامل له من الفعلة و أهل المهن مائة ألف.
ثم اختطها في شهر ربيع الأول سنة إحدى و أربعين و مائة، و جعلها مدورة، و لا تعرف في جميع أقطار الدنيا مدينة مدورة [٢] غيرها.
و وضع أساس المدينة في وقت اختاره نوبخت المنجم، و ما شاء اللّه بن سارية، و قبل وضع الأساس ما ضرب اللبن العظام.
و كان في اللبنة التامة المربعة ذراع في ذراع، وزنها مائتا رطل، و اللبنة المنصفة طولها ذراع، و عرضها نصف ذراع، و وزنها مائة رطل، و حفرت الآبار للماء و عملت القناة التي تأخذ من نهر كرخابا [٣]، و هو النهر الآخذ من الفرات فأتقنت القناة و أجريت إلى داخل المدينة للشرب، و لضرب اللبن، و بلّ الطين، و جعل للمدينة أربعة أبواب، بابا سماه باب الكوفة، و بابا سماه باب البصرة، و بابا سماه باب خراسان، و بابا سماه باب الشام، و بين كل باب منها إلى الآخر خمسة آلاف ذراع بالذراع السوداء [٤] من خارج الخندق، و على كل باب منها بابا حديد عظيمان جليلان، و لا يغلق الباب الواحد منها، و لا يفتحه إلا جماعة رجال.
سميت المنصورة بمنصور بن جمهور عامل بني أمية. و قيل: سميت المنصورة لأن المنصور بن جمهور الكلبي، بناها فسميت به و كان خرج مخالفا لهارون و أقام بالسند.
و قيل: سميت المنصورة لأن عمرو بن حفص الهزارمرد المهلبي بناها في أيام المنصور من بني العباس فسميت به، و للمنصورة من النهر مهران يحيط بالبلد فهي منه في شبه الجزيرة، و في أهلها مروّة، و صلاح، و دين، و تجارات، و شربهم من نهر يقال له: مهران، و هي شديدة الحرّ كثيرة البقّ. (معجم البلدان ج ٥/ ص ٢٤٤).
[١] مدينة أبي جعفر: بغداد.
[٢] مدينة بغداد.
[٣] نهر كرخابا: هو أحد روافد نهر الفرات.
[٤] الذراع السوداء: لعل المقصود بها قياس ذراع الزنوج من العبيد.