البلدان لليعقوبي - اليعقوبي، أحمد بن إسحاق - الصفحة ٦٩ - سر من رأى
و ولي المستعين أحمد بن محمد بن المعتصم فأقام بسرّمنرأى سنتين و ثمانية أشهر حتى اضطربت أموره فانحدر إلى بغداد في المحرم سنة إحدى و خمسين و مائتين فأقام بها يحارب أصحاب المعتز سنة كاملة و المعتز بسرّمنرأى معه الأتراك و سائر [الموالي] [١]، ثم خلع المستعين و ولي المعتز فأقام بها حتى قتل ثلاث سنين و سبعة أشهر بعد خلع المستعين.
و بويع محمد المهتدي بن الواثق في رجب سنة خمس و خمسين و مائتين فأقام حولا كاملا ينزل الجوسق حتى قتل رحمه اللّه.
و ولي أحمد المعتمد بن المتوكل [٢] فأقام بسرّمنرأى في الجوسق و قصور الخلافة، ثم انتقل إلى الجانب الشرقي بسرّمنرأى فبنى قصرا موصوفا بالحسن سمّاه المعشوق فنزله فأقام به حتى اضطربت الأمور فانتقل إلى بغداد ثم إلى المدائن، و لسرّ من رأى منذ بنيت و سكنت إلى الوقت الذي كتبنا فيه كتابنا هذا خمس و خمسون سنة هلك بها ثمانية خلفاء؛ مات و قتل فيها خمسة: المعتصم، و الواثق، و المنتصر، و المعتز، و المهتدي.
و قتل في حريمها و فيما هو متصل بها، و قريب منها اثنان المتوكل و المستعين، و اسمها في الكتب المتقدمة زوراء [٣] بني العباس.
[١] وردت في الأصل: «المالي»، و لعلّ الصحيح ما أثبتناه.
[٢] المعتمد: هو أحمد، المعتمد على اللّه، بن المتوكّل على اللّه، بن جعفر بن المعتصم، أبو العباس، خليفة عباسي، ولد بسامرّاء سنة ٢٢٩ ه/ ٨٤٣ م، ولي الخلافة سنة ٢٥٦ ه، بعد مقتل المهتدي بالله بيومين. طالت أيام ملكه، و كانت مضطربة كثيرة العزل و التولية، بتدبير الموالي و غلبتهم عليه، فقام وليّ عهده أخوه الموفّق بالله (طلحة) فضبط الأمور، و صلحت الدولة و انكفّت يد المعتمد عن كلّ عمل حتى إنه احتاج يوما إلى ثلاثمائة دينار فلم ينلها.
و كان من أسمح آل عباس، جيد الفهم، شاعرا، إلّا أنه لما غلب على أمره انتقصه الناس، و كان مقام الخلفاء قبله في سامرّاء فانتقل المعتمد منها إلى بغداد، فلم يعد إليها أحد منهم بعده. و مات أخوه الموفّق سنة ٢٧٨ ه، فأهمل أمر الرعية، و مات مسموما، و قيل: رمي في رصاص مذاب، و كان موته ببغداد، و حمل إلى سامرّاء فدفن فيها.
[٣] زوراء: تأنيث الأزور، و هو المائل، و الازورار عن الشيء: العدول عنه و الانحراف، و منه سميت القوس الزوراء لميلها، و به دجلة بغداد، و الأرض الزوراء: البعيدة. و مدينة الزوراء ببغداد في الجانب الشرقي، سمّيت الزوراء لا زورار في قبلتها، و قال غيره: «الزوراء مدينة أبي جعفر المنصور، و هي في الجانب الغربي، و قيل: إنما سمّيت الزوراء لأنه لمّا عمّرها جعل الأبواب الداخلة مزوّرة عن الأبواب الخارجة أي ليست على سمتها». (معجم البلدان ج ٣/ ص ١٧٥).