شعراء النصرانيه

شعراء النصرانيه - لويس شيخو - الصفحة ١٧١

على أن أحد أخواننا حضرة الأب أنطون صالحاني قد شغف به وبشعره منذ ثلثين سنةً فلم يدع كبيرةً ولا صغيرةً من أموره إلا كشف عنها القناع استناداً إلى ثلث نسخ من ديوانه وإلى ما ورد من أخباره المتفرقة في عشرات من تآليف الأدباء وهو لا يزال يكد ذهنه ويسهر جفنه ليلتقط ما لعله فاته من آثاره ويعد فهارسه التي ستكلل طبعة ديوانه بتاج من الكمال لا نظن أن شاعراً آخر أصاب مثله. وعليه لم يبق لنا إلا أن نغرف من هذا البحر الطامي ونستخرج بعض دراريه لنصوغ لشاعرنا قلادةً صغيرة محيلين قراءنا إلى ما جمعه رصيفنا المفضال.
(أصل الأخطل ونسبه وصباه) هو أبو مالك غياث بن غوث من قبيلة غنم ابن تغلب. كان مولده في أواسط القرن السابع للميلاد نحو السنة ٦٤٠ م. ولد في الجزيرة أي ما بين النهرين حيث كانت منازل تغلب في جهات الرقة والرصافة. وكان أبوه غوث من وجوه قومه وأمه ليلى تعرف بأم كعب وكانت تحبه وتعنى بأمره. وكان الولد أشهب الشعر لطيف المنظر فعلقت على صدره صليباً لم ينزعه عن صدره حتى في أيام كهولته وعند دخوله على الخلفاء فعرف لذلك بذي الصليب.
ما كاد الولد يبلغ أشده حتى ظهرت فيه ملامح النجابة والذكاء ولعله تفقه في أصول القراءة والكتابة على بعض كهنة قومه. وما يلوح من بعض أعماله في صباه أنه كان فرهاً جريئاً سليط اللسان لا يهاب سطوة أكبر منه فلقبوه بالأخطل أي السفيه. وسمع الشعر من بعض مواطنيه فتنبه إليه ذهنه ووجد في قريحته شحذاً لغربه فقاله وهو غلام مترعرع.
(دينه) ولد الأخطل نصرانياً وتلقن مبادئ دينه في حداثته وثبت عليه في مدى حياته. والمرجح أنه كان على مذهب اليعقوبية الذي كان شاع في قبائل البادية. وكان الأخطل يجاهر بدينه لا يعمل فيه الحياء البشري. والدليل عليه دخوله على الخلفاء والصليب على صدره لا يخجل من حمله علانيةً. كما أن هجاء أقرانه الشعراء ولاسيما جرير لم يؤثر فيه من هذا القبيل. ولما عرض عليه الخليفة عبد الملك أن يدين بالإسلام أبى ونجا منه بأبيات هزلية. وسمعة هشام بن عبد الملك ينشد في قصيدته اللامية قوله:
وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد ... ذخراً يكون كصالح الأعمال