شعراء النصرانيه - لويس شيخو - الصفحة ١٦٨
أن عبيد الله بن سريج قدم الحيرة ومعه ثلاثمائة دينار أتى بها منزلنا في ولاية بشر بن مروان الكوفة وقال: أنا رجل من أهل الحجاز من أهل مكة بلغني طيب الحيرة وجودة خمرها وحسن غنائك في هذا الشعر (من الوافر) :
حنتني حانيات الدهر حتى ... كأني خاتل يدنو لصيد
قريب الخطو يحسب من رآني ... ولست مقيداً أني بقيد
فخرجت بهذه الدنانير لأنفقها معك ونتعاشر حتى تنفذ وأنصرف إلى منزلي. فسأله جدي عن اسمه ونسبه فغيرهما وانتمى إلى بني مخزوم فأخذ جدي المال منه وقال: (موفر مالك عليك ولك عندنا كل ما يحتاج إليه مثلك ما نشطت للمقام عندنا فإذا دعتك نفسك إلى بلدك جهزناك إليهم ورددنا عليك مالك وأخلفنا ما أنفقته عليك إن جئتنا) . وأسكنه داراً كان ينفرد فيها فمكث عندنا شهرين لا يعلم جدي ولا أحد من أهلنا أنه يغني حتى انصرف جدي من دار بشر بن مروان في يوم صائف مع قيام الظهيرة فصار إلى باب الدار التي كان أنزل ابن سريج بها فوجده مغلقاً فارتاب بذلك ودق الباب فلم يفتح له ولم يجبه أحد فصار إلى منازل الحرم فلم يجد فيها بنته ولا جواريها ورأى ما بين الدار التي فيها الحرم ودار ابن سريج مفتوحاً فانتضى سيفه ودخل الدار ليقتل ابنته. فلما دخلها رأى ابنته وجواريها وقوفاً على باب السرداب وهن يومئن إليه بالسكوت وتخفيف الوطء. فلم يلتفت إلى إشارتهن لما تداخله إلى أن سمع ترنم ابن سريج بهذا الصوت فألقى السيف من يده وصاح به وقد عرفه من غير أن يكون رآه ولكن بالنعت والحذق: (أبا يحيى جعلت فداءك أتيتنا بثلاثمائة دينار لتنفقها عندنا في حيرتنا فوحق المسيح لا خرجت منها إلا ومعك ثلاثمائة دينار وثلاثمائة دينار وثلاثمائة دينار سوى ما جئت به معك) . ثم دخل إليه فعانقه ورحب به ولقيه بخلاف ما كان يلقاه به وسأله عن هذا الصوت فأخبره أنه صاغه في ذلك الوقت فصار معه إلى بشر بن مروان فوصله بعشرة آلاف درهم أول مرة ثم وصله بعد ذلك بمثلها. فلما أراد الخروج رد عليه جدي ماله وجهزه ووصله بمقدار نفقته التي أنفقها من مكة إلى الحيرة ورجع ابن سريج إلى أهله وقد أخذ جميع من كان في دارنا منه هذا الصوت.
وقال إسحاق الموصلي (الأغاني ١٢٥: ٢) : لم يكن بالحيرة مذكور في الغناء سوى