شعراء النصرانيه - لويس شيخو - الصفحة ١٦٧
صيد من وحشها من ظباء ونعام وأرانب وحبارى وسقاهم ماءها في قلالها وخمرها في آنيتها وأجلسهم على رقمها وكان يتخذ بها من الفرش أشياء ظريفة ولم يستخدم لهم حراً ولا عبداً إلا من مولديها ومولداتها من خدم ووصائف كأنهم اللؤلؤ لغتهم لغة أهلها ثم غناهم حنين وأصحابه في شعر عدي بن زيد شاعرهم وأعشى همذان لم يتجاوزهما وحياهم برياحينها ونقلهم على خمرها وقد شربوا بفواكهها ثم قال له: هل رأيتني استعنت على شيء مما رأيت وأكلت وشربت وافترشت وشممت وسمعت بغير ما في الحيرة؟ قال: لا والله ولقد أحسنت صفة بلدك ونصرته فأحسنت نصرته والخروج مما قد تضمنته فبارك الله لكم في بلدكم.
وبقي حنين يتردد في البلاد إلى أيام شيخوخته: حدث شيخ من المكيين يقال له شريس قال: أنا لبالأبطح (في مكة) أيام الموسم نشتري ونبيع إذ أقبل شيخ أبيض الرأس واللحية على بغلة شهباء ما ندري أهو أشد بياضاً أم بغلته أم ثيابه فقال: أين بيت أبي موسى؟ فأشرنا له إلى الحائط فمضي حتى انتهى إلى الظل من بيت أبي موسى ثم استقبلنا ببغلته ووجهه ثم اندفع في شعر لكثير:
أسعدينين بدمعة أسراب ... من دموع كثيرة التسكاب
(قال) ثم صرف الرجل بغلته وذهب فتبعناه حتى أدركناه فسألناه من هو؟. فقال: (أنا حنين بن بلوع وأنا رجل جمال أكري الإبل) . ثم مضى.
وقد أخبر إبرهيم بن المهدي (الأغاني ١٢٥: ٢- ١٢٦) بخبر سمعه من حفيد حنين قال: كنت مع الرشيد في السنة التي نزل فيها على عون العبادي فأتاني عون بابن ابن حنين بن بلوع وهو شيخ فغناني عدة أصوات لجده فما استحسنتها لأن الشيخ كان مشوه الخلق طن الغناء قليل الحلاوة إلا أنه كان لا يفارق عمود الصوت أبداً حتى يفرغ منه فغناني صوت ابن سريج (في قول عنترة) :
فتركته جزر السباع ينشنه ... ما بين قلة رأسه والمعصم
فما أذكر أني سمعته من أحد قط أحسن مما سمعته منه فقلت: لقد أحسنت في هذا الصوت وما هو من أغاني جدك ولا من أغاني بلدك وأني لأعجب من ذلك.
فقال لي الشيخ: والصليب والقربان ما صنع هذا الصوت إلا في منزلنا وفي سرداب جدي ولقد كاد أن يأتي على نفس عمي فسألته عن الخبر في ذلك فقال: حدثني أبي