شعراء النصرانيه - لويس شيخو - الصفحة ١٦٦
عمله وشدته وصعوبة مذهبه. فأخذت في غناء الغريض فإذا هو عندهم كلا شيء وغنيت خفائف ابن سريج وأهزاج حكم والأغاني التي لي واجتهدت في أن يفهموا فلم يتحرك من القوم أحد وجعلوا يقولون: ليت أبا منبه قد جاءنا. فقلت في نفسي: أرى أني سأفتضح اليوم بابي منبه فضيحةً لم يفتضح لها أحد قط مثلها. فبينا نحن كذلك إذ جاء أبو منبه وإذا هو شيخ عليه خفان أحمران كأنه جمال فوثبوا جميعاً إليه وسلموا عليه وقالوا: يا أبا منبه أبطأت علينا. وقدموا له الطعام وسقوه أقداحاً وخنست أنا حتى صرت كلا شيء خوفاً منه. فأخذ العود ثم اندفع يغني:
طرب البحر فاعبري يا سفينة ... لا تشقي على رجال المدينة
وأقبل القوم يصفقون ويطربون ويشربون. ثم أخذ في نحو هذا من الغناء. فقلت في نفسي: أنتم ها هنا لئن أصبحت سالماً لا أمست في هذه البلدة. فلما أصبحت شددت رحلي على ناقتي واحتقبت ركوةً من شراب ورحلت متوجهاً إلى الحيرة وقلت (من الخفيف) :
ليت شعري متى تخب بي النا ... قة بين السدير والصنين
محقباً ركوةً وخبز رقاق ... وبقولاً وقطعةً من نون
لست ابغي زاداً سواها من الشا ... م وحسبي علالة تكفيني
فإذا أبت سالماً قلت سحقاً ... وبعاداً لمشعر فارقوني
وقد استطرد صاحب الأغاني (١٢٥: ٢) فروى فصلاً في ذكر الحيرة وأهلها ننقله هنا عنه قال: كان بعض ولاة الكوفة يذم الحيرة في أيام بني أمية فقال له رجل من أهلها وكان عاقلاً ظريفاً: أتعيب بلدةً بها يضرب المثل في الجاهلية والإسلام. قال: وبماذا تمدح؟ قال: (بصحة هوائها وطيب مائها ونزهة ظاهرها تصلح للخف والظلف. سهل وجبل، وبادية وبستان، وبر وبحر، محل الملوك ومزارهم، ومسكنهم ومثواهم، وقد قمتها أصلحك الله مخفاً فرجعت مثقلاً ودرتها مقلا فأصارتك مكثراً) . قال: وكيف تعرف ما وصفتها به من الفضل؟ قلت: بأن تصير غلي ثم ادع نما شئت من لذات العيش فوا الله لا أجوز بك الحيرة فيه. قال: فاصنع لنا صنيعاً واخرج من قولك. قلت: افعل. فصنع لهم طعاماً وأطعمهم من خبزها وسمكها وما