دانشنامه قرآن و حديث - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ٤٤٤
٥ / ١١
تِلكَ الآثارُ
١١٤.الإمام عليّ عليه السلام : عِبادَ اللّهِ! إنَّ مِن أحَبِّ عِبادِ اللّهِ إلَيهِ عَبداً أعانَهُ اللّهُ عَلى نَفسِهِ ، فَاستَشعَرَ الحُزنَ ، وتَجَلبَبَ الخَوفَ ؛ فَزَهَرَ مِصباحُ الهُدى في قَلبِهِ ، وأَعَدَّ القِرى لِيَومِهِ النّازِلِ بِهِ ، فَقَرَّبَ عَلى نَفسِهِ البَعيدَ ، وهَوَّنَ الشَّديدَ . نَظَرَ فَأَبصَرَ ، وذَكَرَ فَاستَكثَرَ ، وَارتَوى مِن عَذبٍ فُراتٍ سُهِّلَت لَهُ مَوارِدُهُ ، فَشَرِبَ نَهَلاً[١] ، وسَلَكَ سَبيلاً جَدَداً . قَد خَلَعَ سَرابيلَ الشَّهَواتِ ، وتَخَلّى مِنَ الهُمومِ ، إلّا هَمّاً واحِداً انفَرَدَ بِهِ ، فَخَرَجَ مِن صِفَةِ العَمى ، ومُشارَكَةِ أهلِ الهَوى ، وصارَ مِن مَفاتيحِ أبوابِ الهُدى ، ومَغاليقِ أبوابِ الرَّدى . قَد أبصَرَ طَريقَهُ ، وسَلَكَ سَبيلَهُ ، وعَرَفَ مَنارَهُ ، وقَطَعَ غِمارَهُ[٢] ، وَاستَمسَكَ مِنَ العُرى بِأَوثَقِها ، ومِنَ الحِبالِ بِأَمتَنِها ، فَهُوَ مِنَ اليَقينِ عَلى مِثلِ ضَوءِ الشَّمسِ ، قَد نَصَبَ نَفسَهُ للّهِِ ـ سُبحانَهُ ـ في أرفَعِ الاُمورِ ، مِن إصدارِ كُلِّ وارِدٍ عَلَيهِ ، وتَصييرِ كُلِّ فَرعٍ إلى أصلِهِ . مِصباحُ ظُلُماتٍ ، كَشّافُ عَشَواتٍ[٣] ، مِفتاحُ مُبهَماتٍ ، دَفّاعُ مُعضِلاتٍ ، دَليلُ فَلَواتٍ[٤] ، يَقولُ فَيُفهِمُ ، ويَسكُتُ فَيَسلَمُ . قَد أخلَصَ للّهِِ فَاستَخلَصَهُ ، فَهُوَ مِن مَعادِنِ دينِهِ ، وأَوتادِ أرضِهِ . قَد ألزَمَ نَفسَهُ العَدلَ ، فَكانَ أوَّلَ عَدلِهِ نَفيُ الهَوى عَن نَفسِهِ ، يَصِفُ الحَقَّ ويَعمَلُ بِهِ ، لا يَدَعُ لِلخَيرِ غايَةً إلّا أمَّها ، ولا مَظِنَّةً إلّا قَصَدَها ، قَد أمكَنَ الكِتابَ مِن زِمامِهِ ، فَهُوَ قائِدُهُ وإمامُهُ ، يَحُلُّ حَيثُ حَلَّ ثَقَلُهُ ، ويَنزِلُ حَيثُ كانَ مَنزِلُهُ .[٥]
[١] نَهِلَ : شَرِبَ الشُربَ الأوّل حتّى روي (المصباح المنير : ص ٦٢٨ «نهل») . [٢] الغَمرَةُ : الشِدَّةُ (لسان العرب : ج ٥ ص ٢٩ «غمر») . [٣] العَشوَةُ : الأمر المُلتَبِسْ ويجمع على عَشَوات (النهاية : ج ٣ ص ٢٤٢ «عشو») . [٤] الفَلاةُ : الأرض التي لاماء فيها ولا أنيس (لسان العرب : ج ١٥ ص ١٦٤ «فلا») . [٥] نهج البلاغة : الخطبة ٨٧ ، أعلام الدين : ص ١٢٧ نحوه ، غرر الحكم : ج٢ ص ٥٦١ ح ٣٥٧٧ وفيه صدره إلى «ليومه النازل به» ، بحار الأنوار : ج ٢ ص ٥٦ ح ٣٦ .