في ظلال التوحيد - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥١٦ - المبحث الرابع مبرّرات الشفاعة
فلیس التوقّف فی البرزخ و لا فی المراحل المتنوعة فی یوم القیامة و لا الدخول فی النار مدةً محدودة و لا شفاعة الأنبیاء و الأولیاء فی حقّهم، إلّا تصرّفاً تکوینیاً فی حقّهم حتی تعود الجوهرة الأولیّة إلی حالتها الطبیعیة الأُولی و تصفو من کل شائبةٍ تعلَّقت بها نتیجة العصیان و التمرّد.
د- الآثار البنّاءة و التربویّة للشفاعة
إنّ تشریع الشفاعة، و الاعتراف بها فی النظام الإسلامی إنّما هو لأجل غایات تربویةٍ تترتب علی ذلک التشریع و الاعتقاد به؛ ذلک لأنّ الاعتقاد بالشفاعة المقیّدة بشروط معقولة، من شأنه بعث الأمل فی نفوس العصاة و أفئدة المذنبین، یدفعهم إلی العودة عن سلوکهم الإجرامیّ، و إعادة النظر فی منهج حیاتهم.
و لکن هناک من یعترض و یقول: إنّ الشفاعة توجب الجرأة و تحیی روح التمرّد فی العصاة و المجرمین. إلّا أنّ الواقع یفصح أنّ الشفاعة سبب فی إصلاح سلوک المجرم و وسیلة لتخلّیه عمّا یرتکبه من آثام و ما یقترفه من ذنوب.
و تظهر حقیقة الحال إذا لاحظنا مسألة التوبة، و هی التی اتفقت علیها الأُمّة و نصّ علیها الکتاب المجید و الحدیث الشریف؛ فإنّه لو کان باب التوبة مُوصداً فی وجه العصاة و المذنبین، و اعتقد المجرم بأنّ عصیانه مرّة واحدة أو مرّات سیخلده فی عذاب اللَّه، و لا مناص له منه، فلا شک أنّ هذا الاعتقاد یوجب التمادی فی اقتراف السیّئات و ارتکاب الذنوب؛ لأنّه یعتقد بأنّه لو غیّر وضعه و سلوکه فی مستقبل أمره لا یقع ذلک مؤثراً فی مصیره و خلوده فی عذاب اللَّه؛ فلا وجه لأن یترک المعاصی و یغادر اللذة المحرّمة، و یتحمّل عناء العبادة و الطاعة، بل یستمر فی وضعه السابق حتی یوافیه الأجل.