في ظلال التوحيد - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٠٤ - المبحث الأوّل حقیقة الإنسان؛ روحه و نفسه
الشخصیّة الإنسانیّة المعبّر عنها بال «أنا»:
لم یزل کلّ واحد منّا ینسُب جمیعَ أفعاله إلی موجود نعبّر عنه بال «أنا» و یقول:
«أنا فعلتُ» «أنا أکلتُ» و «أنا ضربتُ» و ربما ینسبها إلی الضمائر المتصلة القائمة مکان «أنا» فیقول: «قرأت»، «کتبت»، «أردت» و «أجبت»، فإذن یقع السؤال حول تعیین الموضوع الذی تنسب إلیه هذه الأفعال، فما هو إذن؟ هل هو هذا الجسم المادّی، أو شیء آخر وراء ذلک؟ فلو کان الموضوع هو الجسم المادّی منه، لا یکون دلیلًا علی وجود جوهر آخر مجرد عن المادة و آثارها، و لو کان الموضوع أمراً غیره، یثبت به موضوع وراء المادة، مقترن بجسمه و حیاته المادیة.
ثمّ إنّنا ننسب أعضاءنا إلی شیء آخر وراء الجسم المادّی هذا و نقول: «رأسی» و «قلبی» و «بطنی» و «قدمی» فهذه أعضاء رئیسیة للجسم المادیّ «الإنسان»، و مع ذلک فإنّنا ننسبها إلی شیء آخر وراء هذا الجسم المادّی.
و ربما نتجاوز إلی أکثر من هذا فننسب نفس الجسم بأکمله إلی شیء آخر، فنقول: «بدنی»، فإذن ما هذا المضاف إلیه فی جمیع هذه الانتسابات، من انتساب الأفعال و الأعضاء و البدن بأکمله؟
و بما أنّ کلّ قضیة تترکّب من موضوع و محمول، فبداهة العقل تحکم بأنّ لهذه المحمولات موضوعاً و إن لم یکن مرئیاً إلّا أنّنا ندرکه من خلال هذه المحمولات.
و بعبارة واضحة: أنّ الأفعال البشریة رغمصدورها من أعضاء مختلفة کالإبصار بالعین، و الرفع بالید، و المشی بالرجل، و السمع بالأُذن، فالإنسان ینسبها جمیعاً إلی مصدر واحد، فیقول:
«أنا شاهدت»، «أنا مشیت» و «أنا سمعت» کما ینسب کلّ عضو من جسمه