في ظلال التوحيد - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥١٥ - المبحث الرابع مبرّرات الشفاعة
ج- الأصل هو السلامة
دلّت التجارب و البراهین العقلیة علی أنّ الأصل الأوّلی فی الخلیقة هو السلامة، و أنّ المرض و الانحراف أمران یعرضان علی المزاج، و یزولان بالمداواة و المعالجة، و لیس هذا الأصل مختصاً بالسلامة من حیث العیوب الجسمانیة، بل الأصل هو الطهارة من الأقذار و الأدران المعنویة، فقد خلق الإنسان علی الفطرة النقیّة السلیمة من الشرک و العصیان التی أشار إلیها القرآن بقوله: «فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِی فَطَرَ النَّاسَ عَلَیْها» [١]، و قال النبی الأکرمصلی الله علیه و آله: «کُل مولود یولد علی الفطرة ثمّ أبواه یهوّدانه أو ینصّرانه أو یمجّسانه» [٢]
.
و علی ذلک فلا غرو فی أن تزول آثار العصیان عن الإنسان بالعلاج و المداواة الخاصة فی مواقف شتی حتی تظهر الخلیقة الأُولی التی فُطِر علیها؛ فقد جعل اللَّه سبحانه المواقف التی یمرّ بها الإنسان بعد موته فی البرزخ و یوم القیامة؛ وسائل لتطهیر الإنسان و تصفیته من آثار الذنوب و تبعاتها. و لا غرو فی أن یکون الشفعاء المرضیون عند اللَّه، أطباء یعالجون أُولئک المرضی، بتصرفاتهم و نفوسهم القویّة حتی یزیلوا عنهم غبار المعصیة، و درن الذنب حتی تعود الجوهرة الإنسانیة نقیّةًصافیةً ناصعةً، فیستحقّ الإنسان نعیمَ الآخرة و دخول الجنة إلّا من بلغ حداً لا یقبل العلاج و التداوی، لأجل أنّ ذاته قد انقلبت إلی ما یضاد الجوهرة الإنسانیة النقیة التی لا تقبل أیّةَ مداواة أو علاج، کما لو اتّخذ لربّه شریکاً فاستحق الخلودَ فی النار.
[١] الروم: ٣٠.
[٢] التاج الجامع للأُصول ٤: ١٨٠؛ تفسیر البرهان ٣: ٢٦١/ ٥.