في ظلال التوحيد - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٥١٠ - المبحث الثالث حقیقة الشفاعة
ج- الشفاعة المصطلحة
و حقیقة هذه الشفاعة تعنی أن تصل رحمتهُ سبحانه و مغفرته و فیضه إلی عباده عن طریق أولیائه وصفوة عباده، و لیس هذا بأمرٍ غریب؛ فکما أنّ الهدایة الإلهیة التی هی من فیوضه سبحانه، تصل إلی عباده فی هذه الدنیا عن طریق أنبیائه و کتبه، فهکذا تصل مغفرته سبحانه و تعالی إلی المذنبین و العصاة یوم القیامة من عباده عن ذلک الطریق.
و لا یبعد فی أن یصل غفرانه سبحانه إلی عباده یوم القیامة عن طریق خِیرة عباده، فإنّ اللَّه سبحانه قد جعل دعاءهم فی الحیاة الدنیویة سبباً، و نصّ بذلک فی بعض آیاته. فنری أنّ أبناء یعقوب لمّا عادوا خاضعین، رجعوا إلی أبیهم، و قالوا له: «قالُوا یا أَبانَا اسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنَّا کُنَّا خاطِئِینَ» [١] فأجابهم یعقوب بقوله:
«سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَکُمْ رَبِّی إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِیمُ» [٢].
و لم یقتصر الأمر علی یعقوب فحسب، بل کان النبی الأکرمصلی الله علیه و آله ممّن یستجاب دعاؤه أیضاً فی حق العصاة، قال سبحانه: «وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُکَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِیماً» [٣]. و هذه الآیات و نظائرها ممّا لم نذکرها مثل قوله: «وَصَلِّ عَلَیْهِمْ إِنَّصَلاتَکَ سَکَنٌ لَهُمْ» [٤] تدلّ علی أنّ مغفرته سبحانه قد تصل إلی عباده بتوسیط واسطة کالأنبیاء، و قد تصل بلا توسیط واسطة، کما یفصح عنه سبحانه بقوله: «یا أَیُّهَا الَّذِینَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَی
[١] یوسف: ٩٧.
[٢] یوسف: ٩٨.
[٣] النساء: ٦٤.
[٤] التوبة: ١٠٣.