في ظلال التوحيد - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٦ - المسألة الأُولی مفهوم العبادة و حدّها
مقرِّبة، و لیس کلّ مقرِّب عبادة، فدعوة الفقیر إلی الطعام، و العطف علی الیتیم- مثلًا- توجب القرب، و لکنّها لیست عبادة بمعنی أن یکون الآتی بها عابداً بعمله للَّه تعالی.
و إذا وقفت علی قصور هذه التعاریف هنا نذکر فی المقام تعریفین، کلّ یلازم الآخر.
التعریف الأوّل: العبادة هی الخضوع للشیء بما أنّه إله
إنّ لفظ العبادة من المفاهیم الواضحة، و ربّما یکون ظهور معناها الواضح مانعاً عن التحدید الدقیق لها، غیر أنّه یمکن تحدیدها من خلال الإمعان فی الموارد التی تستعمل فیها تلک اللفظة، فقد استعملها القرآن فی مورد الموحّدین و المشرکین، و قال سبحانه فی الدعوة إلی عبادة نفسه: «وَ لکِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِی یَتَوَفَّاکُمْ» [١] و قال سبحانه: «قُلْ إِنِّی أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّینَ» [٢].
و قال فی النهی عن عبادة غیره: «إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً وَ تَخْلُقُونَ إِفْکاً» [٣] و قال: «أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ» [٤]، فعلی الباحث أن یقتنصَ معنی العبادة بالدقّة فی أفعال العباد، و عقائدهم من غیر فرق بین عبادة الموحّدین و عبادة المشرکین فیجعله حدّاً منطقیاً للعبادة.
إنّ الإمعان فی ذلک المجال یدفعنا إلی القول بأنّ العبادة عندهم عبارة عن الفعل
[١] یونس: ١٠٤.
[٢] الزمر: ١١.
[٣] العنکبوت: ١٧.
[٤] الصافّات: ٩٥.