في ظلال التوحيد - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٢٢ - المبحث السادس تقسیمات البدعة
الإنسان و علاقته بربّه، بل أنّ الابتداع فیه من مقتضیات التطوّر الزمنی الذی لا یسمح بالوقوف عند حدّ الموروث من وسائل الحیاة عن الآباء و الأجداد [١].
الإسلام بین التزمّت و التحلل من القیود الشرعیة
إنّ بین المسلمین من یرید حصر الأُمور السائغة بما هو موجود فی عصر الرسول الأکرم، لذا یعد نَخْل الدقیق بدعة، بحجة أنّه لم یکن فی عصرهصلی الله علیه و آله أیّ منخل [٢]. و بین من یرید التحلّل من کلّ قید دینی فی مجال العمل، فلا یلتزم فی حیاته بشیء مما جاء به الإسلام.
فالإسلام لا هذا و لا ذاک، فهو یرفض التزمّت إذا کان العمل غیر خارج عن الأُطر العامة الواردة فی الکتاب و السنّة، کما یرفض التحلّل من کلّ قید. فآفة الدین لیست منحصرة بالثانی بل آفة الأوّل لیست بأقل منه.
فانّ حصر الجائز من الأُمور العادیة بما کان رائجاً فی عصر النبیّ أو عصر الصحابة کبت للعقول، و تقیید للحرکة الحضاریة عن التقدّم نحو الکمال. و إظهار الإسلام بأنّه غیر قابل للتطبیق فی جمیع الأعصار المتقدّمة فضلًا عن عصر الذرّة.
علماً أنّ من الأسباب التی أوجبت خلود الدین الإسلامی، و أعطته الصلاحیة للبقاء مع اختلاف الظروف و تعاقب الأجیال کونه دیناً جامعاً بین الدعوة إلی المادة و الدعوة إلی الروح، و دیناً وسطاً بین المادیة البحتة و الروحیة المحضة، فقد آلف بتعالیمه القیّمة بینهما، مؤالفة تفی بحقّ کلّ منهما، بحیث یتیح للإنسان أن یأخذ قسطه من کلّ منهما بقدر ما تقتضیه المصلحة.
و ذلک أنّ المسیحیة غالت فی التوجه إلی الناحیة الروحیة، حتی کادت أن
[١] الفتاوی: ١٦٣.
[٢] الاعتصام ٢: ٧٣.