في ظلال التوحيد - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٣٣٩ - المبحث الأوّل صیانة الآثار من منظار القرآن الکریم
الآیة الثانیة: اتّخاذ المساجد علی قبور المضطهدین فی سبیل التوحید
یذکر سبحانه قصة أصحاب الکهف، و أنّهم اعتزلوا قومَهم للحفاظ علی عقیدتهم و دینهم، حتّی وافاهم الأجل و هم فی الکهف، و قد أعثر اللَّه علیهم قوماً بعد ثلاثة قرون و أطلعهم علیهم، یقول سبحانه: «وَ کَذلِکَ أَعْثَرْنا عَلَیْهِمْ لِیَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَ أَنَّ السَّاعَةَ لا رَیْبَ فِیها إِذْ یَتَنازَعُونَ بَیْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقالُوا ابْنُوا عَلَیْهِمْ بُنْیاناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِینَ غَلَبُوا عَلی أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَیْهِمْ مَسْجِداً» [١].
و معنی الآیة أنّا أعثرنا علی أصحاب الکهف أهلَ تلک المدینة لیعلموا أنّ وعد اللَّه بالبعث حقّ، فإنّ بَعْثَ هؤلاء بعد لَبْثهم فی کهفهم ثلاثمائة سنة و ازدادوا تسعاً دلیل علی إمکان الحیاة الثانویة، لیعلموا أنّ الساعة لا ریب فیها.
ثمّ إنّ القوم الذین أعثرهم اللَّه علی أجسادهم اتّفقوا علی تکریمهم، و لکن اختلفوا فی طریقة التکریم، کما یقول سبحانه: «إِذْ یَتَنازَعُونَ بَیْنَهُمْ أَمْرَهُمْ»، فظاهرُ المنازعة هو ما جاء بعد هذه الجملة بضمیمة لفظة الفاء، فقال جماعة:
«ابْنُوا عَلَیْهِمْ بُنْیاناً»، أی اجعلوا علیهم بنیاناً کبیراً، و یدلّ علی الوصف تنکیر «بُنْیاناً»، و قدصرّح الجوهری و ابن منظور بأنّ البنیان بمعنی الحائط [٢]، و لذلک فسّره القاسمی بقوله: أی باب کهفهم بنیاناً عظیماً کالخانقاهات [٣] و المشاهد
[١] الکهف: ٢١.
[٢] الصحاح ٦: ٢٢٨ مادة بناء؛ لسان العرب ١: ٥١٠ تلک المادة.
[٣] الخانقات کلمة فارسیة مفردها: خانقاه و تعنی محلّ اجتماع الصوفیّین و الدراویش. لغتنامه ٢٠: ١٦٩ بالفارسیة.