في ظلال التوحيد - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٣ - المسألة الأُولی مفهوم العبادة و حدّها
و ربما یتوسّع فی إطلاق العبادة فتطلق علی مطلق الإصغاء لکلام الغیر، و فی الحدیث: «من أصغی إلی ناطق فقد عبده، فإن کان الناطق یؤدّی عن اللَّه عزّ و جلّ فقد عبد اللَّه، و إن کان الناطق یؤدّی عن الشیطان فقد عبد الشیطان» [١].
توجیه غیر سدید
إنّ بعض من یفسّر العبادة بالخضوع و التذلّل عند ما یقف أمام هذه الدلائل الوافرة، یحاول أن یجیب و یقول: إنّ سجود الملائکة لآدم أو سجود یعقوب و أبنائه لیوسف، لم یکن عبادة له و لا لیوسف؛ لأنّ ذلک کان بأمر اللَّه سبحانه و لو لا أمره لانقلب عملهم عبادة لهما.
و هذا التوجیه بمعزِل عن التحقیق؛ لأنّ معنی ذلک أنّ أمر اللَّه یُغیّر الموضوع، و یبدل واقعه إلی غیر ما کان علیه، مع أنّ الحکم لا یغیِّر الموضوع.
فلو نفترض أنّه سبحانه أمر بسبِّ المشرک و المنافق فأمره سبحانه لا یخرج السبَّ عن کونه سباً، فلو کان مطلقُ الخضوع المتجلّی فیصورة السجود لآدم أو لیوسف عبادة، لکان معنی ذلک أنّه سبحانه أمر بعبادة غیره، مع أنّها فحشاء بتصریح الذکر الحکیم لا یأمر بها سبحانه، قال تعالی: «إِنَّ اللَّهَ لا یَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَی اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ» [٢].
و هناک تعاریف للعبادة لجملة من المحقّقین نأتی بها واحداً بعد الآخر:
١- نظریةصاحب المنار فی تفسیر العبادة
إنّصاحب المنار لمّا وقف علی بعض ما ذکرناه حاولَ أن یُفسّر العبادة بشکل یبعده عن بعض ما ذکرنا، لذلک أخذ فی التعریف قیوداً ثلاثة:
[١] الکافی ٦: ٤٣٤.
[٢] الأعراف: ٢٨.