في ظلال التوحيد - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢١٦ - دراسة لأربع مسائل فقهیّة تدور بین البدعة و السنّة
طلاقاً واحداً، فهو و إن کان حقاً، لکنّه خارج عن موضوع بحثنا، و إلیک الاستدلال بالکتاب أوّلًا، و السنّة ثانیاً.
أوّلًا: الاستدلال بالکتاب:
١- قوله سبحانه: «فَإِمْساکٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِیحٌ بِإِحْسانٍ».
تقدّم أنّ فی تفسیر هذه الفقرة من الآیة قولین مختلفین، و المفسّرون بین من یجعلها ناظرة إلی الفقرة المتقدّمة أعنی قوله: «الطَّلاقُ مَرَّتانِ...» و من یجعلونها ناظرة إلی التطلیق الثالث الّذی جاء فی الآیة التالیة، و قد عرفت ما هو الحق، فتلک الفقرة تدلّ علی بطلان الطلاق ثلاثاً علی کلا التقدیرین.
أمّا علی التقدیر الأوّل، فواضح؛ لأنّ معناها أنّ کلّ مرّة من المرّتین یجب أن یتبعها أحد أمرین: إمساک بمعروف، أو تسریح بإحسان.
قال ابن کثیر: أی إذا طلّقتها واحدة أو اثنتین، فأنت مخیّر فیها ما دامت عدّتها باقیة، بین أن تردّها إلیک ناویاً الإصلاح و الإحسان و بین أن تترکها حتّی تنقضی عدّتها، فتبین منک، و تطلق سراحها محسناً إلیها لا تظلمها من حقّها شیئاً و لا تضارّ بها [١]. و أین هذا من الطلاق ثلاثاً بلا تخلّل بواحد من الأمرین- الإمساک أو ترکها حتّی ینقضی أجلها- سواء طلّقها بلفظ: أنتِ طالق ثلاثاً، أو: أنتِ طالق، أنتِ طالق، أنتِ طالق.
و أمّا علی التقدیر الثانی؛ فإنّ تلک الفقرة و إن کانت ناظرة لحال الطلاق الثالث، و ساکتة عن حال الطلاقین الأوّلین، لکن قلنا إنّ بعض الآیات، تدلّ علی أنّ مضمونه من خصیصة مطلق الطلاق، من غیر فرق بین الأوّلین و الثالث فالمطلّق یجب أن یُتبعَ طلاقه بأحد أمرین:
[١] ابن کثیر، التفسیر ١: ٥٣.