في ظلال التوحيد - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٠ - المسألة الأُولی مفهوم العبادة و حدّها
٤- أقصی غایة الخضوع.
و لیس علی أدیم الأرض من لا یتذلّل أو لا یخشع و لا یخضع لغیر اللَّه سبحانه و إلیک بیان ذلک:
لیست العبادة نفس الخضوع أو نهایته
إنّ الخضوع و التذلّل حتّی إظهار نهایة التذلّل لا یساوی العبادة و لا یعدّ حداً منطقیاً لها، بشهادة أنّ خضوع الولد أمام والده، و التلمیذ أمام أُستاذه، و الجندیُّ أمام قائده، لیس عبادة لهم و إن بالغوا فی الخضوع و التذلّل حتّی و لو قبّل الولدُ قدمَ الوالدین، فلا یعد عمله عبادة، لأنّ اللَّه سبحانه یقول: «وَ اخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ» [١].
و أوضح دلیل علی أنّ الخضوع المطلق و إن بلغ النهایة لا یعدّ عبادة هو أنّه سبحانه أمر الملائکة بالسجود لآدم و قال: «وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِکَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ» [٢] و آدم کان مسجوداً له ککونه سبحانه مسجوداً له، مع أنّ الأول لم یکن عبادة و إلّا لم یأمر بها سبحانه، إذ کیف یأمر بعبادة غیره و فی الوقت نفسه ینهی عنها بتاتاً فی جمیع الشرائع من لدن آدم علیه السلام إلی الخاتمصلی الله علیه و آله، و لکن الثانی- أی الخضوع للَّه- عبادة.
و اللَّه سبحانه یصرّح فی أکثر من آیة بأنّ الدعوة إلی عبادة اللَّه سبحانه، و النهی عن عبادة غیره، کانت أصلًا مشترکاً بین جمیع الأنبیاء، قال سبحانه: «وَ لَقَدْ بَعَثْنا فِی کُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَ اجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ» [٣] و قال سبحانه: «وَ ما
[١] الإسراء: ٢٤.
[٢] البقرة: ٣٤.
[٣] النحل: ٣٦.