الشفاء المنطق (جلد اول) - ابن سينا - الصفحة ٢
بخدمة السلطان و التصرف فى عمله، و قد[١] شغل ذلك أوقاته، فلا أنتهز[٢] إلا الفرص الخفاف، و استمليته فيها شيئا من المنطق و الطبيعيات. و إذا دعوته إلى التصانيف الكبار و إلى الشروح أحال على ما عمله من الشروح، و صنفه من الكتب فى بلاده، و قد كان بلغنى تفرّقها و تشتتها، و ضنّ من يملك نسخة منها بها. و أمّا هو فلم يكن من عادته أن يخزن لنفسه[٣] نسخة، كما لم يكن من عادته أن يحرّر من الدستور، أو يخرج من السواد، و إنما[٤] يملى أو يكتب النسخة و يعطيها ملتمسها منه. و مع ذلك فقد تواترت عليه المحن، و غالت كتبه الغوائل، فبقيت معه عدة سنين أنتقل فيها من جرجان إلى الرّىّ، و من الرىّ إلى همذان.
و شغل بوزارة الملك شمس الدولة[٥]، و كان اشتغاله بذلك حسرة علينا، و ضياعا لروزجارنا[٦]. و كان قد وهن الرجاء أيضا فى تحصيل تصانيفه الفائتة، فالتمسنا منه إعادتها، فقال: أما الاشتغال بالألفاظ و شرحها فأمر لا يسعه وقتى، و لا تنشط له نفسى، فإن قنعتم بما يتيسّر[٧] لى من عندى، عملت لكم تصنيفا جامعا على الترتيب الذي يتفق لى. فبذلنا له منا الرضا به، و حرصنا[٨] على أن يقع منه الابتداء بالطبيعيات؛ فشرع فى ذلك، و كتب قريبا من عشرين ورقة، ثم انقطع عنه بالقواطع السلطانية.
و ضرب الدهر ضرباته، و اخترم ذلك الملك،[٩] و آثر هو أن لا يقيم فى تلك الدولة، و لا يعاود تلك الخدمة، و ركن إلى أنّ[١٠] الاحتياط له، فيما استحبه من ذلك، أن يستتر مرتقبا فرصة الانفصال عن تلك الديار. فصادفت منه خلوة و فراغا اغتنمته، و أخذته بتتميم كتاب الشفاء؛ و أقبل هو بنفسه على تصنيفه إقبالا بجدّ، و فرغ من الطبيعيات و الإلهيات- خلا كتابى الحيوان
[١] و قد: قد ب، س، عا
[٢] أنتهز:+ منه س
[٣] لنفسه: لتصنيفه ع، عا، م، ن، ى
[٤] و إنما: إنما عا
[٥] شمس الدولة:+ قدس اللّه روحه س، ع؛+ قدس اللّه روحه و رضى عنه عا، ه
[٦] روزجار: كلمة فارسية معناها الوقت
[٧] يتيسر: تيسر ع، م
[٨] و حرصنا: و توخينا ه
[٩] الملك:+ رحمه اللّه س، عا، ه
[١٠] أنّ:ساقطة من ب، س.