نشر المحاسن اليمانيّة - ابن الديبع الشيباني الشافعي - الصفحة ١٩٤ - فصل في شجاعتهم وعلو همتهم
إليه من يسمعه إياها ، فلما سمعها ازداد غيظا [٣٠] وحنقا وحمية ، فصاح بقومه بني عبس ، وجمع منهم جمعا ، وسار غازيا إلى منزل عمرو ، فلم يعلم عمرو إلّا وفرسان عبس قد أقبلت إليه سباقا ، فنادى في بني زبيد ، فخرجوا إليهم ، واقتتلوا قتالا شديدا ، وكثر القتل في الفريقين.
فلما طالت الحرب ولّت عبس مدبرة ، فبقي عنترة معقبا عليهم وهو ينادي يا آل عبس ، فلم يلتفت إليه أحد / فلما تحقق الهزيمة أصحابه بقي يحامي على أعقابهم ، فحمل عليه عمرو بن معدي كرب ، فطعنه بأسفل الرمح ، فكبه على وجهه ، وقبضه من شعره [٣١] وأخذه أسيرا ، فأقام عنترة عنده زمانا طويلا في الحبس ، ثم أنشد هذه الأبيات وهو في الوثاق : [الوافر]
| لقد أنذرت لو أغنى ولكن | أبى القدر المتاح لكلّ نفس | |
| فمن يك للردى أمسى رهينا | وإن بعد المدى في يوم نحس | |
| فما أبكي لما أمسيت فيه | من الغلّ الثقيل وطول حبس | |
| ولكني لزمت وقد تولّى | وأسلمني فوارس آل عبس | |
| وولّوا هاربين بكل وعر | وخيلهم تسام بكلّ تعس |
فلما سمع عمرو المذكور جزّ ناصيته وأخلى سبيله ، وكذلك أسر العباس بن مرداس السلمي [٣٢] في حال الحرب وأوثقه فقال أيضا وهو في الوثاق هذه الأبيات : [الوافر]
[٣٠] في الأصل : غيضا.
[٣١] في الأصل : وقبض من شرد.
[٣٢] العباس بن مرداس السلمي (... ـ نحو ١٨ ه) ـ (... ـ نحو ٦٣٩ م) : هو العباس بن مرداس بن أبي عامر السلمي من مضر ، أبو الهيثم ، شاعر فارس ، من سادات قومه ، أمه الخنساء الشاعرة ، أدرك الجاهلية والإسلام وأسلم قبيل فتح مكة ، وكان من المؤلفة قلوبهم وكان ممن ذم الخمر وحرمها في الجاهلية ، ومات في خلافة عمر (الأعلام ٣ / ٢٦٧).