نشر المحاسن اليمانيّة - ابن الديبع الشيباني الشافعي - الصفحة ١٧٦ - القسم الثاني فيمن تولى أمر يثرب وسكنها
فلا يعرض له إلا الخير ، ولا لمن تبعه ، ومن أحب منهم أن يلحق بكم لم نمنعه ، يريدون بذلك المهاجرين ، فكرهت الأوس والخزرج.
فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : «أجيبوهم يا معشر الأوس والخزرج ، فإن الله بالغ أمره ومنجز وعده» ، فقالوا : تطيب عن نفسك يا رسول الله أن نفعل ذلك؟ قال : «نعم» ، قالوا : فالسمع والطاعة ، وضربوا بينهم أجلا أربعة أشهر ، ثم رجعوا إلى يثرب [٧٥].
فلما افترقوا همت قريش بالغدر فكفى الله تعالى نبيه شرهم ، وخرج من مكة بالوحي الذي أنزل عليه ، خائفا يترقب حتى ورد المدينة عن أمر الله له بذلك. فهذه فضيلة [ثانية].
فلما وصل إليهم صلى الله تعالى عليه وسلم هو وأصحابه المهاجرون معه سمحوا له ولجميع من وصل معه بمشاطرة الأموال ، ومن كان له زوجتان من الأوس والخزرج طلق إحداهما وزوجها بعض المهاجرين [٧٦] ، فأثنى الله تعالى عليهم بذلك فقال : (وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ)[٧٧](وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [الحشر ٥٩ / ٩]. وهذه فضيلة ثالثة.
[٧٥] يراجع في بيعة العقبة هذه (سيرة ابن هشام ١ / ٤٣٨ ـ ٤٦٧) ، و (السيرة النبوية لابن كثير ٢ / ١٩٢ ـ ٢١٢) و (حدائق الأنوار ومطالع الأسرار ١ / ٣٥٦ ـ ٣٥٩) و (البخاري ١ / ٣٢٨ باب وفود الأنصار إلى النبي ٦ بمكة وبيعة العقبة).
[٧٦] الصحيح في هذا الخبر أن رسول الله ٦ آخى بين سعد بن الربيع الأنصاري وعبد الرحمن بن عوف الزهري من المهاجرين ، فعرض عليه ابن الربيع أن يناصفه أهله وماله ، فقال عبد الرحمن : بارك الله لك في أهلك ومالك ، دلني على السوق. والخبر مروي في (البخاري : باب كيف آخى النبي ٦ بين أصحابه ، وفي مواضع أخر) ، كما رواه مسلم وأحمد ويراجع فيه (السيرة النبوية لابن كثير ٢ / ٣٢٧).
[٧٧] خصاصة : حاجة إلى ما يؤثرون به غيرهم على أنفسهم ، وقد صانوا أنفسهم عن شحها أي حرصها على المال وبخلها به فأفلحوا.