بحوث في الأصول - الغروي الإصفهاني، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٨٨
هي مقتضية مع إمكان المانع، فدلالتها على وجود المقتضي قابلة للتعبّد.
لكن حيث إنّ نفس الاجتناب أيضا جعل أمارة على العدالة، فالصحيح ما مرّ مرارا من أنّ العدالة هي الاستقامة العملية على جادة الشريعة، فكما يصح أن تجعل الملكة المزبورة طريقا إليها من باب طريقية المقتضي إلى مقتضاه، كذلك يمكن أن يجعل الاجتناب و هو عدم الانحراف الملازم للاستقامة طريقا إليها من باب طريقية أحد المتلازمين إلى الآخر.
و على هذا فالوجه في تكثير الطرق و الأمارات تسهيل الأمر على المكلفين، فالملكة و الاجتناب طريقان للمعاشر مع الشخص، و ستره للعيوب و عدم فعل الكبيرة علنا طريق لغير المخالط معه سرّا و جهرا.
فتحقق من جميع ما ذكرنا أنّ العدالة هي الاستقامة العملية بترك الكبائر و فعلها هو الانحراف المضاد للاستقامة، و أنّ الصحيحة سواء كانت العفّة من الملكات أم لا، و سواء كان المعرف من قبيل المعرف المنطقي أو الأصولي، ليست دليلا على اعتبار الملكة النفسانيّة في حقيقة العدالة الشرعية، و أنّه يكفي في ذلك انبعاث الاجتناب عن محض خوف الشخص مما يترتب على فعل الكبيرة، بل لو فرض اجتناب جميع الكبائر لا للخوف من العقاب بل لغرض آخر لا ينافى مع اجتنابه عن الكبائر جميعا أمكن القول بأنّه عدالة شرعية، و يشهد له ما ورد من أنّ «من ترك شرب الخمر لغير اللّه تعالى سقاه اللّه من الرحيق المختوم» فقال الراوي: و كيف يتركه لغير اللّه؟ قال عليه السلام: «صيانة لنفسه»«»و بالجملة: الملاك كله اجتناب الكبائر جميعا بأي وجه اتفق.
نعم الأنسب ما ذكرنا من جعل قوله عليه السلام: «أن يعرفوه بالستر و العفاف» و قوله عليه السلام: «و تعرف باجتناب الكبائر» من قبيل المعرف