بحوث في الأصول - الغروي الإصفهاني، الشيخ محمد حسين - الصفحة ١٥٩
مقام الاحتياط ليس الاحتياط التّام و حفظ الواقع على جميع التقادير، بل إيجاد العمل على طبق إحدى الفتويين بنحو لا يستلزم مخالفة قطعية و إن لم تحصل به الموافقة القطعية للواقع، و إلاّ لا تكاد تحصل مراعاة الواقع على أي تقدير بتلك الكيفية المزبورة.
و الجواب عنه: انّ موافقة الفتوى الثانية إن كانت مصحّحة للدخول في القصر، فلا قطع بعد الصلاتين بمخالفة التكليف الفعلي بل بمخالفة ما لا تجب مراعاته، و إن لم تكن مصحّحة للدخول، للزوم مراعاة الواقع، فلا أمر بصلاة العصر قطعا، إمّا لكونها قصرا كالظهر، أو لعدم الترتيب، حيث إنّ الفرض ظهرا و عصرا هو التمام.
و تحقيق الحال: إنّا لو قلنا بموضوعية الفتوى و باشتمال كلّ منهما ع لى مصلحة تتدارك بها مصلحة الواقع، فلا يحصل بعد الصلاتين القطع بالمخالفة، بل يقطع بإدراك مصلحة الواقع إمّا بنفسه أو ببدله، و ليس الكلام في عدم المقتضي في مثل الفرض حتى يقال: لم يعلم اشتمال الفتوى الثانية على المصلحة حتى بعد فعل المكلّف على طبق الفتوى الأولى، بل الكلام في مانعية المخالفة القطعية، و بعد فرض المقتضي لا قطع بالمخالفة المضرّة.
و إن قلنا بالطريقيّة و كون عقاب الواقع دائرا مدار مخالفة الفتويين معا و سقوط عقابه دائرا مدار موافقة إحداهما، فلا محالة لا يقطع بعد العمل على طبقهما في الصلاتين بالمخالفة الموجبة للعقاب، بل يقطع بسقوط عقاب الواقع، لفرض استناده في كلّ عمل إلى ما يبرئ ذمّته و يعذّره عن مخالفة الواقع، و الشاهد عليه أنّه لو وجب الرجوع بعد فعل صلاة الظهر قصرا إلى من يفتي بوجوب العصر تماما لموت المجتهد الأوّل أو جنونه مثلا، كان تطبيق العمل على فتواه معذّرا و مبرئا للذمّة، فيعلم منه أنّ القطع بمخالفة الواقع لا أثر له هنا.
نعم لو كان هناك واقع منجّز بالعلم الإجمالي و أراد العمل على طبقه،