بحوث في الأصول - الغروي الإصفهاني، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٥٥
مآل الأمر هنا إلى التسوية بين العالم و الجاهل، لقصور نظره عما وصل إليه غيره مما يوجب الفتوى بثبوت الحكم أو نفيه.
و من هنا تبيّن تعيّن الأعلم عقلا، و إن لم نقل بأنّه أقرب إلى الواقع، فانّ العقل إنّما يذعن بتعيّن التقليد على العامي شرعا، حيث إنّه لا يقين ببراءة الذّمّة إلاّ بالاستناد إلى من له الحجة لو لم يتمكن من الاستناد إلى الحجة، و رأي الأعلم و إن لم يعلم أنّه أقرب إلى الواقع لكنه أوفق بما قامت عليه الحجج الشرعية و العقلية، و لا معنى للأوفقية بها إلاّ بلوغ نظره إلى ما لم يبلغ إليه نظر غيره، فيكون بالإضافة إلى القاصر نظره كالعالم بالإضافة إلى الجاهل، فيكون متعينا في مقام إبراء الذّمّة، لا لقصور العقل عن الحكم ببراءة الذّمّة في تقليد العامي للمفضول، كما قدّمناه في أول المسألة، بل لإذعانه بمقتضى فرض الأعلمية و كون الملاك كون المجتهد ذا حجة على الحكم بأنّ رأيه أوفق بمقتضيات الحجج حقيقة، فالتسوية بينه و بين غيره تسوية بين العالم و الجاهل، فتدبّر جيّدا.
و قد استدل لجواز الرجوع إلى المفضول مع وجود الأفضل بالإطلاقات، كقوله عليه السلام: «فانهم حجّتي عليكم»«»، و قوله عليه السلام: «اعتمدا في دينكما على كلّ مسنّ في حبنا كثير القدم في أمرنا»«»، و قوله عليه السلام:
«و أمّا من كان من الفقهاء - إلى قوله عليه السلام: - فللعوام أن يقلّدوه»«»، و قوله عليه السلام: «انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا»«»، و قوله عليه السلام: «انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا»«»إلى غير ذلك