بحوث في الأصول - الغروي الإصفهاني، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٧٩ - مسألة
و الّذي يمكن أن يقال هو أنّ ترك الكبائر أجمع معلول لأحد أمرين، إمّا وجود فضائل نفسانية مضادّة للرذائل النفسيّة المقتضية لفعل ما يناسبها، و هي العدالة الأخلاقية التي يمكن دعوى القطع بعدم اعتبارها في مقام ترتيب الآثار شرعا، و إمّا الخوف مما يترتب على فعل تلك الكبائر و لو لم يكن الخائف ذا فضيلة من فضائل النّفس أصلا، و ليس هذا المعنى من الخوف هي الخشية من اللّه جلّ جلاله استشعارا بعظمته و هيبته و جلاله و كبريائه، فانّ هذه الخشية أجنبية عن مقام فعل كبيرة أو صغيرة، و لا توجد إلّا في الأوحدي، كما أنّ الاستحياء من اللّه تعالى و إن أمكن أن يكون داعيا إلّا أنّه مقام منيع لا ترتبط به العدالة الشرعية، و أمّا الحياء من الناس فهو إنّما يجدي داعيا في المعاصي الظاهرة لا الخفية، فالداعي العام ليس إلّا الخوف من العقاب، و لا دليل على اعتبار أزيد منه في اجتناب الكبائر، إذ لو كان ترك الكبائر لغير هذه الجهة فلا محالة يكون الترك لكبيرة أو رذيلة من تدليس أو رياء أو سمعة أو طلب الجاه و نحو ذلك، و أمّا ترك الكبائر جميعا واقعا فلا يكون في غير الكامل إلّا لأجل هذا الخوف الراسخ الّذي بسبب رسوخه يطلق عليه الملكة، و بهذا يمكن الجمع بين قول من يقول باعتبار الملكة و من يقول بكفاية ترك الكبائر، فإنّ ترك الكبائر جميعا واقعا ملازم للخوف الراسخ، و إلّا لم يكن ترك الكبائر أجمع، فلا حاجة بعد الالتزام بترك الكبائر جميعا باعتبار ملكة من الملكات، و صدق العدالة بمعنى الاستقامة بلحاظ استقامته على جادّة الشرع فعلا و تركا، لا باعتبار الخوف، فانّه لا معنى لاعتبار الاستقامة فيه، فالاستقامة في الأفعال و التروك كالاستقامة في باب العدالة الأخلاقية من حيث تعديل القوى الثلاث، فصحّ أن يقال إنّ العدالة الشرعيّة هي الاستقامة العملية.
لا يقال: ترك الكبائر أجمع لو كان مناط العدالة الشرعية و أنّ الخوف لمجرّد الملازمة، فلا بدّ من القول بصدقها على من لم يرتكب كبيرة لعدم الداعي أو