بحوث في الأصول - الغروي الإصفهاني، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٥٠ - مسألة
كان فتوى أحدهما الوجوب و فتوى الآخر الحرمة فلا مجرى للبراءة، و حينئذ فيتوقف العقل عن الحكم بالتخيير مع احتمال التعيين. و هو غير وجيه سواء قلنا بالطريقية أم بالسببيّة:
أمّا على الأوّل، فلأنّ التخيير بين الفعل و الترك عقلا ليس بملاك لزوم الموافقة الاحتمالية، حتى يقال بتوقف العقل عن الحكم بالتخيير مع احتمال الأهمّية في أحد الطرفين، بل الموافقة الاحتمالية قهرية، و المراد من حكم العقل بالتخيير مجرد إذعان العقل و تصديقه بأنّه لا حرج في فعله و تركه، لعدم تنجّز التكليف المعلوم، لعدم القدرة على مراعاته، فالعلم بالأهمّية غير موجب للتعيّن فضلا عن احتمالها.
و أمّا على الثاني: فلأنّ المقتضي للموضوعية و السببية هنا ثبوت الملاك لكلا الحكمين، فالتخيير عقلي، لعدم القدرة على إحراز الملاكين الملزمين في ذاتهما، بخلاف دوران الأمر بين المحذورين، فانّه لا علم إلّا بتكليف واحد، حيث لا موجب لفعليتهما في حد ذاتهما، فلا مجال للتخيير العقلي بالمعنى المعروف.
ثمّ إنّ فائدة هذا الأصل بعد الأصل الأوّلي إنّما تظهر للمفتي لا للعامّي، فله أن يفتي العامي بالرجوع إلى غير الأفضل إذا لم يجد دليلا على تعيّن الأفضل.
و أمّا المقام الثاني: فقد استدل لتعيين الأفضل بوجوه: منها: مقبولة عمر بن حنظلة [١] الآمرة بالأخذ بالأفقه عند الاختلاف، و الاستدلال بها من وجهين:
أحدهما من جهة الملازمة بين الحكم و الفتوى، مع تسليم اختصاص موردها بالحكم كما ادّعاها جماعة.
و ثانيهما من جهة شمول الحكم بنفسه للفتوى، بدعوى أنّها و إن كانت في
[١] الوسائل: ج ١٨، باب ٩ من أبواب صفات القاضي، ح ١.