اصول الفقه- ط مكتب الاعلام الاسلامي - المظفر، الشيخ محمد رضا - الصفحة ١٤٤
و الحق عندنا هو القول الثانى أى أنه حقيقة مطلقا .
( الدليل ) ـ أن منشأ توهم القول بالمجاز أن أداة العموم لما كانت
موضوعة للدلالة على سعة مدخولها , و عمومه لجميع أفراده , فلو أريد منه
بعضه فقداستعملت فى غير ما وضعت له , فيكون الاستعمال مجازا . و هذا
التوهم يدفع بأدنى تأمل , لأنه فى التخصيص بالمتصل كقولك ـ مثلا ـ :
أكرم كل عالم إلا الفاسقين لم تستعمل أداة العموم إلا فى معناها , و هى
الشمول لجميع أفراد مدخولها , غاية الأمر أن مدخولها تارة يدل عليه لفظ
واحد مثل أكرم كل عادل , و أخرى يدل عليه أكثر من لفظ واحد فى صورة
التخصيص , فيكون التخصيص معناه أن مدخول ( كل ) ليس ما يصدق عليه لفظ
عالم مثلا بل هو خصوص العالم العادل فى المثال . و أما ( كل ) فهى
باقية على مالها من الدلالة على العموم و الشمول , لأنها تدل حينئذ على
الشمول لكل عادل من العلماء , و لذا لا يصح أن يوضع مكانها كلمة ( بعض
) , فلا يستقيم المعنى لو قلت : أكرم بعض العلماء إلا الفاسقين , و إلا
لما صح الاستثناء . كما لا يستقيم لو قلت : أكرم بعض العلماء العدول ,
فانه لا يدل على تحديد الموضوع كما لو كانت ( كل ) و الاستثناءموجودين .
و الحاصل أن لفظة ( كل ) و سائر أدوات العموم فى مورد التخصيص لم تستعمل الا فى معناها و هو الشمول .
و لا معنى للقول بأن المجاز فى نفس مدخولها , لأن مدخولها مثل كلمة
عالم موضوع لنفس الطبيعة من حيث هى , لا الطبيعة بجميع أفرادها أو
بعضها . وإرادة الجميع أو البعض إنما يكون من دلالة لفظة أخرى كـ ( كل )
أو ( بعض ) , فاذا قيد مدخولها و أريد منه المقيد بالعدالة فى المثال
المتقدم لم يكن مستعملا إلا فى معناه . و هو من له العلم , و تكون إرادة
ما عدا الفاسق من العلماء من دلالة المجموع القيد و المقيد , من باب
تعدد الدال و المدلول . و سيجىء إن شاء الله تعالى أن تقييد المطلق لا
يوجب مجازا .
هذا الكلام كله عن المخصص بالمتصل . و كذلك الكلام عن المخصص