أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه - محمد بن إسحاق الفاكهي - الصفحة ٤٧٥ - ذكر ما تجوز فيه اليمين بين الركن والمقام وتعظيم ذلك ، والتشديد في اليمين بينهما
فحدّثني ـ قال : ثنا قريش بن أنس ، قال : ثنا ابن عون ، عن نافع ، قال : إنّ رجلا مات فأوصى إلى ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ فجاءه رجل فادّعى عليه مالا ، فقال : يا نافع خذ بيده فانطلق فاستحلفه بين الركن والمقام ثم أعطه ، فقال الرجل : يا أبا عبد الرحمن كأنك تحبّ أن تسمع في أن الذي يراني ثم يراني [١] ها هنا ، فقال : استحلفه وأعطه.
وذكر بعض أهل مكة عن أشياخهم أنّ المهدي أمير المؤمنين حجّ في سنة ستين ومائة ، فنزل دار الندوة ، فجاءه عبيد الله بن عثمان بن ابراهيم الحجبي بمقام خليل الرحمن ـ صلّى الله على نبيّنا محمد وعليه وسلّم ـ في ساعة خالية نصف النهار مشتمل عليه ، فقال للحاجب : ائذن لي على أمير المؤمنين ، فإن معي شيئا لم يدخل به على أحد قبله ، وهو يسرّ أمير المؤمنين ، فأدخله عليه ، فتكشّف عن المقام ، فسرّ به المهدي ، وتمسّح به ، وسكب فيه ماء ثم شربه ، وقال له : أخرج فارسل إلى بعض أهله فشربوا فيه ، وتمسّحوا به ثم أدخله فاحتمله وردّه إلى مكانه ، فأمر له بجوائز عظيمة ، واقطعه خيفا بنخلة [٢] ـ من أعراض مكة يقال له : ذات القوبع [٣] ـ فباعه من منيرة ـ مولاة المهدي ـ بعد ذلك بسبعة آلاف دينار [٤].
ثم رفع الحجبة بعد ذلك إلى أمير المؤمنين جعفر المتوكل على الله ـ تعالى ـ في سنة احدى واربعين ومائتين أن الكرسي المنصوب المقعد فيه المقام ملبس صفائح من رصاص ، وانه لو عمل مكان الرصاص فضة كان أشبه وأوفق له ،
[١] هكذا العبارة في الأصل ، ولعلها هكذا (أن الذي يراني هناك لا يراني ها هنا؟).
[٢] هي نخلتان ، اليمانية والشامية ، وكلاهما من أعراض مكة. أنظر ياقوت ٥ / ٢٧٧.
[٣] كذا في الأصل (ذات القوبع) وقد قال ياقوت ٤ / ٤١١ : القوبع : موضع في عقيق المدينة. إلا أن الأستاذ ملحس أفاد في تعليقه على الأزرقي : أن ياقوتا وهم في هذا ، وظنّ أنه موضع في عقيق ذات عرق المسمّى (عقيق ذي الحليفة).
[٤] رواه الأزرقي ٢ / ٣٦ ـ ٣٧.