العبقات العنبرية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٦٤ - كرامات الشيخ جعفر الكبير
أسبغ الوضوء وأمر بعض خدمه أن يصعد السطح فينظر هل بقي في تلك الفيافي والقفار أحد من الزّوار، فنظر فلم يجد أحداً، فأُخْبِرَ الشيخ بذلك، فقام عن أولئك الأقوام، وقال لهم: يا قوم أن أمتعتكم سيغمرها الماء، ويذهب بها السّيل جفاء، فادخلوا مساكنكم لا يحطمّنكم سليمان الودق[١] وجنوده، وتخطف أبصاركم بوارق السحاب ورعوده، فتضاحك القوم سراً وقالوا متهكمين: سنضرب بيننا وبينه ستراً، فلما استقفاهم[٢] جعلوا يقولون هذا أعجب، وإصراره عليه أغرب، وأمّا الشيخ فأُخْلِيَ له إيوان في المنزل، وشرع في الصلاة فلما رفع كفّيه للقنوت ارتفعت في الجو ألوية الرّياح، وتسابقت مذاكي الشمال لما صرخ بها الرعد، فحوّل اللقاح، وقدمت بالنصر طلائع جيش الودق، وهجمت بالبُشْر لوامع أسنة البرق، وأقبلت كلّ سحاء[٣] ووطفاء[٤]، وكان هواديها الولاء، فلا ترى غير مرجخة[٥] النواحي موصولة بالأحكام، متدلية العَزالي[٦] تكاد تمس من الرّجال الهام، كثير زجلها[٧]، قاصف رعدها، خاطف برقها، حثيث ودقها[٨]، بطيء سيرها، متدفق قَطْرُهَا، مظلم نَوْؤها[٩]، هَدَّارةٌ فوّارةٌ، خوّاضة موّارة[١٠]،
[١] الوَدْق: المطر.
[٢] استقفاهم: ضربهم على قفاهم.
[٣] سَحَّاءُ: دائمة الصب والهطل بالعطاء.
[٤] وطفاء: السحاب أو المطر إذا انهمر.
[٥] وردت في المخطوطة( مرجخة) والصحيح هي المرجحنة المائلة لثقلها.
[٦] العَزالي: جمع عزلاء وهو مصب الماء من الراوية والقِربةِ في أسفلها حيث يستفرغ ما فيها من الماء، وفي الحديث: وأرْسَلَت السماء عَزاليها، كثر مطرُها على المثل. أنظر: لسان العرب/ ابن منظور: ٢/ ٧٦٨.
[٧] الزجل: الرمي بالشيء.
[٨] الودق: السحابة ذات مطرتين شديدتين.
[٩] نوأ: أثقل فسقط.
[١٠] المور: الموج منه قوله تعالى(( يوم تمورُ السماء موراً)) أي تموج موجاً.