العبقات العنبرية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٢٦ - إهداء الكتاب
قصب، وأن المرء لا يبين قدره إلَّا إذا طال سيره كما قيل:
|
سَافِرْ إذا حَاوَلتَ قَدراً |
سَارَ الهِلالُ فصَارَ بدراً |
|
ولغيره:
|
لَولا التّنقلُ مَاارتَقَتْ |
دُررُ البُحُور إلى النّحورِ |
|
على أنّ قدره أجلّ من أن يضيع ولا يضاع، ولكن طيبه بعد الاحتراق أكثر شيوعاً، فألقى عصا التسيار في أم بلاد إيران، دار العلم والشرف أصفهان، فكانت له خير موطن، وكان بها خير مستوطن، فما زال فيها قبل عشرين سنة إلى هذه الأيام وشرفه وعزّه يتصاعد ويتزايد على الدوام، حتى بلغه الله من العلياء كلما كان تمنى ورام، فأتخذها داراً، وألبسها من يمنه شعاراً، وكنت أسمع به ولا أراه، ولكن البدر لا يخفى سناه، ولم أزل أتمنى التشرف بلقياه، والحظوة بطلعة محيّاه، والأيام لا تساعدني بل تباعدني، واطاردها عما أروم وتطاردني، فلما أيست من ذلك قلت في نفسي إنّ الميسور، لا يسقط بالمعسور، و المراسلة نصف المواصلة، فجعلت أكاتبه فكانت أجوبته خير عائد وصلة، وقد عرفتني أنّه واحد زمانه، وملأ السمع والبصر في حالتي سماعه وعيانه، و كان بعض أهل الدار يبعثون له بعض الهدايا والتحف من أرض النجف، وأحببت أن أعقد له مني العبوديّة، ومنه في حقي المحبة عسى أن يوليني ألتفاته وقربه، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم (تهادوا تحابوا)[١].
وحيث أنّه أبقاه الله غني عن الدنيا وما فيها من المتاع الفاني مستغنٍ بما خولّه الله عن كل قاصي وداني أردت أن أهدي له ما يخلد مع الزمان ويتجدد طيبه في كل آن.
|
وإنِ امْرؤٌ بقِيتْ جَمِيلُ صِفَاتِهِ |
مِنْ بَعْدهِ فَكأنّهُ مَا مَاتَا |
|
[١] من لا يحضره الفقيه/ الصدوق: ٣/ ١٩٠، الكافي/ الكليني: ١/ ٣٦٩.