نفحات الهداية - الصالحي، ياسر - الصفحة ٨٠ - خطاب قيادة الأمّة الشرعية
فجئتك لذلك. فقال عمّار: تعرف صاحبَ الراية السوداء المقابلة لي، فإنَّها راية عمرو بن العاص، قاتلتُها مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثلاث مرَّات وهذه الرابعة فما هي بخيرهنَّ ولا أبرّهنَّ، بل هي شرُّهنَّ وأفجرهُنَّ، أشهِدْت بدراً وأُحُداً ويوم حُنين، أو شهدها أب لك فيخبرك عنها؟
قال: لا.
قال: فإنَّ مراكِزنا اليوم على مراكز رايات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يوم بدر ويوم أُحُد ويوم حنين، وإنَّ مراكز رايات هؤلاء على مراكز رايات المشركين من الأحزاب، فهل ترى هذا العسكر ومَن فيه؟ والله لوددتُ أنَّ جميع مَن فيه ممَّن أقبلَ مع معاوية يريد قتالنا مفارقاً للذي نحن عليه كانوا خَلْقاً واحداً، فقطَّعته وذبحته، والله لدماؤهم جميعاً أحلُّ من دم عصفور، أفترى دم عصفور حراماً؟ قال: لا بل حلال.
قال: فإنَّهم حلال كذلك، أتراني بيَّنت لك؟ قال: قد بيَّنتَ لي، قال: فاختر أيّ ذلك أحببت.
فانصرف الرجل، فدعاه عمّار ثمّ قال: أمَا إنَّهم سيضربونكم بأسيافكم حتَّى يرتابَ المبطلون منكم فيقولوا: لو لم يكونوا على حقّ ما ظهروا علينا، والله ما هم من الحقّ ما يقذى عين ذباب، والله لو ضربونا بأسيافهم حتَّى يبلغونا سعفات هجر، لعلمنا أنّا على حقّ وأنَّهم على باطل[٩١].
وعمّار، إذ يقف هذا الموقف، إنَّما يصغي إلى صوت الله تعالى يدعوه:
(وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ) (البقرة: ١٩٣).
[٩١] شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٥: ٢٥٦ - ٢٥٨.