نفحات الهداية - الصالحي، ياسر - الصفحة ١٧٤ - وقفة مع كتابه منهج في الانتماء المذهبي
معظم الناس تتغيَّر آراءهم وتتبدَّل قناعاتهم ولا يجب عدّ ذلك ضعفاً، بل هو في كثير من الأحيان من معالم القوّة في الشخصية التي تطرح القديم إذا كان بالياً وتختار الجديد إذا كانت تراه جديراً بالاختيار والاعتناق، وإذا انتقلنا إلى دائرة معيَّنة من دوائر الفكر العامّة وهي دائرة الدين والعقيدة والمذهب، فإنَّنا نرى أنَّ معظم الناس في هذا المجال يقلّدون آباءهم ومجتمعهم في أكثر الأحيان، على الرغم من الطبيعة الفكرية الخصبة لهذه الدائرة التي قد تتَّسع لتشمل معظم مجالات الحياة إن لم يكن كلّها على ما يقول به أصحاب الفكر الديني الشمولي، وذلك يعود في كثير من الأحوال إلى أنَّ العقائد الدينية تغرس في النفوس في مدّة الطفولة قبل نمو القوّة العاقلة في النفس الإنسانية، فتألفها هذه النفوس وتأنس بها ولا ترضى بالبديل عنها بسهولة، وقديماً قيل: التعلّم في الصغر كالنقش على الحجر.
تجربة الأستاذ صائب
والكاتب الأستاذ صائب عبد الحميد مرَّ في تجربة لها خصوصيتها ومعالمها، حَدَت به إلى أن ينتقل من مذهب إلى مذهب، حيث ترك ما تعوَّد عليه وتعلَّمه في الصغر، وتعامل مع ذكريات أيّام شبابه ذات الصفاء والنقاء الخاصّ بها والتي يصعب على المرء أن يتنكَّر لها ولا يكون وفيّاً معها، تعامل معها بتعقّل ولم يسمح للعاطفة أن تنفرد وحدها في هذا الميدان حتَّى لا يكون وفاؤه ذا أثر عكسي فلا يعود وفاءً.
وحاول الأستاذ أن يأخذ من هذه التجربة الفوائد والعبر وينشرها في هذا الكتاب، لتكون نبراساً للذين يتعرَّضون لمثل هذه التجارب وهم ليسوا بالقليل هذه الأيّام التي تقاربت فيها المسافات وتداخلت فيها الحدود والمساحات، فضلاً عن فائدتها لعموم الناس.