نفحات الهداية - الصالحي، ياسر - الصفحة ٢١٢ - وقفة مع كتابه من الظلمات إلى النور
الشهادة تكمن في ميزات لابن الأثير مدوّن التأريخ المذكور، فهو وليد المدّة التي عاش فيها عادي، كما وأنَّه ابن تلك المنطقة الموصلية، والأعرف بتحوّلاتها، لم يأتِ أو يدلي في سطوره الأربعة عند ذكر ملَّتنا - آنذاك - وعادي بقرينة أو إيحاء أو علاقة أو أيّة سابقة باحتمالات المؤلّفين، أو أنَّ فضلاً لعادي بهدي قوم ما إلى الإسلام، إنَّما أشار ابن الأثير إلى صفة دينية مثل التزهّد لعادي، والتي تجد وقعها عادةً في نفوس أهلها من المسلمين لطبيعتهم الدينية، وعلى هذا: (... وتبعه أهل السواد والجبال بتلك النواحي وأطاعوه، وحسنوا الظنّ به...)[١٧٠]، ثمّ شرع يستحدث منهم طريقته الصوفية).
كيف حصلت الفتنة؟
بعد أن دافع الكاتب عن الأصل الإسلامي لقومه يتساءل عن كيفية حصول الانحراف وتمكّن حلقات الفتنة من محاصرتهم، فيقول:
(التناقض بين الماضي الديني لقومنا وحاضرهم يبعث بدوره سؤالاً عميقاً هو:
هل أنَّ تحوّل القوم عن دينهم الإسلام من قبل، كان بإرادتهم أم بغير إرادتهم؟
والجواب الكبير: إنَّ تحوّل القوم عن دينهم لم يكن بإرادتهم، ذلك لأنَّ أفكار الانحراف الصوفية كانت تُمرّر بغطاء ديني مُحبّب في عقائد أولئك المسلمين، وإنفاذها كان بطيئاً وبصفة روحية، ولو أنَّ انفصالهم عن دينهم كان شعورياً أو بمباشرة منهم لما تعيَّنت صورته بعد أكثر من مائة عام، بدءً من يوم حطَّ فيه عادي في موطن الأجداد.
وأنجزت رواية السمعاني أهمّ مفردات ما ذكرنا - والذي توفّي في (٥٦٢هـ) - أي بعد موت عادي بخمس سنوات، يشرح فيها السمعاني عن قومنا آنذاك في كتابه (الأنساب) في الصفحة (٦٠٠): (... يتزهَّدون في القرى التي في تلك الجبال، ويأكلون
[١٧٠] الكامل في التاريخ ١١: ٢٨٩.