الإسلام قاعدة و منهج حياة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٧٩

عنوان الإنسان نُطلِقُه على كل هذه المستويات، ولكن ما مدى غزارة الإنسانية عند هذه المستويات؟ الجواب: هي مستويات يقرب بعضها جدّاً من مرتبة الحيوان حتى يلتصق بها ... ويحدث التسامي من بعد ذلك حتى نجد بعض الصور المتأخرة تقترب من مرتبة الملائكة، وقد تفوق مرتبة إنسان مرتبتهم، ويعظم أجره على ما هم عليه هم من أجر [١].

القلوب أوعية، ومنها ما يكون وعاءً لخير زاد، ومنها ما يكون وعاء لشرّ زاد، وإنما القلب بما وعى، وقيمة الإنسان بما انطوى عليه قلبه ووعاه. وكثيراً ما تتقلَّب القلوب وتتحوّل حتّى جاء عن الرسول صلي الله عليه و آله:

" إنّما سُمِّي القلبُ من تقلُّبه، إنما مثل القلبِ مثل ريشة بالفلاة تعلَّقت في أصل شجرة تقلّبها الرّيح ظهراً لبطن" [٢]

وقليل من القلوب ما تستقيم على الحق لا يأخذها التذبذب عنه في كثير ولا قليل. وكثيراً منها لا يكاد يثبت على شي‌ء من هدىً، أو يستمسك بنور. وليس اتّفاقاً أن يثبت قلبٌ على حقٍّ، وتتناهب آخرَ رياح التغيير، ويكثر تقلّبه ظهراً لبطن فذلك عائدٌ إلى نوع وآخر من التربية، وإلى المجاهدة وعدمها، واستنارة المعرفة وخلافها، واستحقاق الفيوضات الربانية، والهدايات الإلهية وعدم استحقاقها [٣].

العبادة تعلّق بالجمال والكمال، وطلب القرب من الجميل الكامل استرضاءً له، واستجداءً من جماله، واسترفاداً من كماله، وفراراً من حالة النقص والضعف والانقطاع والوحشة إليه، وتلذُّذاً وتعزُّزاً بالتذلل بين يديه. وهي ممارسة تختلف سنخاً وطبيعة عن حالة الإدراك والتفكير، إذ الإدراك والتفكير نشاط ذهني يستقبل صور الجزئيات، ويركب صوراً، ويحلل صوراً،


[١] خطبة الجمعة (١٨٣) ١٠ ذو الحجة ١٤٢٥ ه-- ٢١ يناير ٢٠٠٥ م.

[٢] ميزان الحكمة، الريشهري، ج ٣، ص ٢٥٩٨.

[٣] خطبة الجمعة (٢٣٠) ٢٦ ذي الحجة ١٤٢٦ ه-- ٢٧ يناير ٢٠٠٦ م.