الإسلام قاعدة و منهج حياة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٤

لقد ضربت سيرة الأئمة عليهم السلام المثل الحي في الحفاظ على مصالح الإسلام والمسلمين، والتعايش السلمي وإسداء النصيحة العملية لحكومات لا يرون شرعيتها من ناحية دينية، من دون أن يشاركوا في ظلم، أو يعينوا على باطل، أو يقصروا في واجب، أو تجري على يدهم مداهنة لا يأذن بها الله سبحانه و تعالي‌ [١].

إن نجاح أي حكم قائم على رضا الشعب والأمة، وقد رأينا أمير المؤمنين عليه السلام يعتذر عن قبول الحكم بعد وفاة عثمان، وقد يكون من منطلقات ذلك الامتناع هو عدم ملاءمة الظروف الموضوعية لنجاح الأطروحة الإسلامية، أمير المؤمنين معصوم، وقيادته ناجحة بالكامل، لكن الصف النخبوي الذي يؤمن بالإسلام وبالأطروحة الإسلامية، ويصبر على الأطروحة الإسلامية ويعطي لها كل شي‌ء لم يكن بالدرجة الكافية.

والإسلام لا يريد حكماً شكلياً. الإسلام يريد حكماً حقيقياً، يريد أن يصنع نفوساً، يريد أن يصنع عقولًا، يريد أن يخلق واقعاً إسلامياً ولا يريد أن يحكم حكماً شكلياً فحسب. وهذا ما يفرض عدم عزل الحكم الإسلامي رضا النصاب الكافي من النّاس لإقامته‌ [٢].

صحيح أنهم يطلبون الحكم وسيلة، ولكن أين غايتهم وأين الحكم؟ غايتهم تتجاوز الحكم بمسافات هائلة شاسعة لا يملك لها الإنسان حدّاً .. إنهم يحاولون أن يرتفعوا بالأرض، بكل ذرة في هذه الأرض التي تسبح بسم الله سبحانه و تعالي، أن يرتفعوا بهذه الأرض، بكل ذرة فيها، بكل إنسان عليها، بكل شي‌ء يسكنها، أن يرتفعوا بها إلى الخط الصاعد إلى الله سبحانه و تعالي، ويضعوا المسيرة الحضارية كلها على خط الله سبحانه و تعالي، لتهدى ولترشد ولتستقيم ولتعيش آمنةً ولتطمئن ولتغنى وتثرى على كل المستويات، إنهم جاءوا ليصنعوا الأمة، ليصنعوا البشرية، الصناعة


[١] خطبة الجمعة (٣٠) ٩ شعبان ١٤٢٢ ه-- ٢٦ أكتوبر ٢٠٠١ م.

[٢] خطبة الجمعة (١٨٢) ٣ ذو الحجة ١٤٢٥ ه-- ٤ يناير ٢٠٠٥ م.