الـفتوحات المکية طبع الهيئه المصريه العامه للکتاب - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ٣٣١ - (الحكمة في صيام غرر كل شهر)
مائة خلق،فإنه قال:"عشر أمثالها"-فكأنه صام الشهر كله.فلذلك جوزى بالثلاث مائة،إذ كانت الثلاثون قبلت عملا لا جزاءا،فإنها مثل الحسنة،و الحسنة عمل.و المثلان هما اللذان يشتركان في صفات النفس.
فانظر في حكمة الشارع،ما ألطفها و أحسنها في ترغيبه إيانا في صوم ثلاثة أيام من كل شهر!و ما نبه عموم الخلق على عين الجزاء،فان حصول الجزاء إذا جاء فجاة من غير أن يعرف سببه و لا ينتظر،كان ألذ في نفس العامة.
و الصيام خلق إلهى،فكان جزاؤه من جنسه،و هي الثلاث مائة خلق إلهى يتصف بها الصائم هذه الثلاثة الأيام،كما اتصف بالصيام و هو وصف إلهى.-فالعامى الذي لم يصم على هذا الحد،يكون جزاؤه من كونه لم يأكل و لم يشرب.فيقال له:"كل-يا من لم يأكل!-و اشرب- يا من لم يشرب!-".قال تعالى: كُلُوا وَ اشْرَبُوا هَنِيئاً بِمٰا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيّٰامِ الْخٰالِيَةِ -يعنى أيام الصوم في زمان التكليف و أهل اللّٰه الذين يصومون هذه الثلاثة الأيام-أو أي صوم كان-على استحضار ما ذكرنا:
من أنه يتلبس بوصف إلهى،يكون جزاؤه من هذه صفته قوله(-تعالى-) (...)مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزٰاؤُهُ .