إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٦٣ - بيان
من العاجلة فله طريقان.أحدهما:أن يسمع من غيره أن الآخرة أولى بالإيثار من الدنيا، فيقلده و يصدقه من غير بصيرة بحقيقة الأمر،فيميل بعمله إلى إيثار الآخرة اعتمادا على مجرد قوله.و هذا يسمى تقليدا،و لا يسمى معرفة و الطريق الثاني:أن يعرف أن الأبقى أولى بالإيثار،ثم يعرف أن الآخرة أبقى، فيحصل له من هاتين المعرفتين معرفة ثالثة،و هو أن الآخرة أولى بالإيثار.و لا يمكن تحقق المعرفة بأن الآخرة أولى بالإيثار إلا بالمعرفتين السابقتين.فإحضار المعرفتين السابقتين في القلب للتوصل به إلى المعرفة الثالثة يسمى تفكرا،و اعتبارا،و تذكرا،و نظرا،و تأملا، و تدبرا.أما التدبر،و التأمل،و التفكر،فعبارات مترادفة على معنى واحد،ليس تحتها معان مختلفة و أما اسم التذكر،و الاعتبار،و النظر،فهي مختلفة المعاني،و إن كان أصل المسمى واحدا.كما أن اسم الصارم،و المهند،و السيف،يتوارد على شيء واحد و لكن باعتبارات مختلفة:فالصارم يدل على السيف من حيث هو قاطع،و المهند يدل عليه من حيث نسبته إلى موضعه، و السيف يدل دلالة مطلقة من غير إشعار بهذه الزوائد.فكذلك الاعتبار ينطلق على إحضار المعرفتين من حيث إنه يعبر منهما إلى معرفة ثالثة.و إن لم يقع العبور،و لم يمكن إلا الوقوف على المعرفتين،فينطلق عليه اسم التذكر لا اسم الاعتبار .و أما النظر و التفكر فيقع عليه من حيث إن فيه طلب معرفة ثالثة.فمن ليس يطلب المعرفة الثالثة لا يسمى ناظرا. فكل متفكر فهو متذكر،و ليس كل متذكر متفكرا.و فائدة التذكار تكرار المعارف على القلب لترسخ و لا تنمحى عن القلب،و فائدة التفكر تكثير العلم و استجلاب معرفة ليست حاصلة فهذا هو الفرق بين التذكر و التفكر.و المعارف إذا اجتمعت في القلب و ازدوجت على ترتيب مخصوص،أثمرت معرفة أخرى.فالمعرفة نتاج المعرفة.فإذا حصلت معرفة أخرى و ازدوجت مع معرفة أخرى.حصل من ذلك نتاج آخر.و هكذا يتمادى النتاج،و يتمادى العلوم،و يتمادى الفكر إلى غير نهاية.و إنما تنسد طريق زيادة المعارف بالموت أو بالعوائق هذا لمن يقدر على استثمار العلوم و يهتدى إلى طريق التفكر.و أما أكثر الناس فإنما منعوا الزيادة في العلوم لفقدهم رأس المال،و هو المعارف التي بها تستثمر العلوم.كالذي لا بضاعة له.
فإنه لا يقدر على الربح. و قد يملك البضاعة و لكن لا يحسن صناعة التجارة فلا يربح شيئا