إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٦٤ - بيان
فكذلك قد يكون معه من المعارف ما هو رأس مال العلوم،و لكن ليس يحسن استعمالها، و تأليفها،و إيقاع الازدواج المفضى إلى النتاج فيها و معرفة طريق الاستعمال و الاستثمار تارة تكون بنور إلهى في القلب يحصل بالفطرة، كما كان للأنبياء صلوات اللّه عليهم أجمعين،و ذلك عزيز جدّا.و قد تكون بالتعلم و الممارسة، و هو الأكثر.ثم المتفكر قد تحضره هذه المعارف،و تحصل له الثمرة و هو لا يشعر بكيفية حصولها،و لا يقدر على التعبير عنها لقلة ممارسته لصناعة التعبير في الإيراد،فكم من إنسان يعلم أن الآخرة أولى بالإيثار علما حقيقيا،و لو سئل عن سبب معرفته لم يقدر على إيراده و التعبير عنه،مع أنه لم تحصل معرفته إلا عن المعرفتين السابقتين،و هو أن الأبقى أولى بالإيثار، و أن الآخرة أبقى من الدنيا،فتحصل له معرفة ثالثة،و هو أن الآخرة أولى بالإيثار.
فرجع حاصل حقيقة التفكر إلى إحضار معرفتين للتوصل بهما إلى معرفة ثالثة و أما ثمرة الفكر فهي العلوم،و الأحوال،و الأعمال.و لكن ثمرته الخاصة العلم لا غير نعم إذا حصل العلم في القلب تغير حال القلب،و إذا تغير حال القلب تغيرت أعمال الجوارح فالعمل تابع الحال،و الحال تابع العلم،و العلم تابع الفكر.فالفكر إذا هو المبدأ و المفتاح للخيرات كلها.و هذا هو الذي يكشف لك عن فضيلة التفكر،و أنه خير من الذكر و التذكر.لأن الفكر ذكر و زيادة،و ذكر القلب خير من عمل الجوارح بل شرّف العمل لما فيه من الذكر.فإذا التفكر أفضل من جملة الأعمال.و لذلك قيل:تفكر ساعة خير من عبادة سنة .فقيل هو الذي ينقل من المكاره إلى المحاب،و من الرغبة و الحرص إلى الزهد و القناعة.و قيل هو الذي يحدث مشاهدة و تقوى.و لذلك قال تعالى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً [١]و إن أردت أن تفهم كيفية تغير الحال بالفكر،فمثاله ما ذكرناه من أمر الآخرة،فإن الفكر فيه يعرفنا أن الآخرة أولى بالإيثار،فإذا رسخت هذه المعرفة يقينا في قلوبنا تغيرت القلوب إلى الرغبة في الآخرة،و الزهد في الدنيا.و هذا ما عنيناه بالحال إذا كان حال القلب قبل هذه المعرفة حب العاجلة،و الميل إليها،و النفرة عن الآخرة،و قلة الرغبة فيها،
[١] طه:١١٣