إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٦٥ - بيان
و بهذه المعرفة تغير حال القلب،و تبدلت إرادته و رغبته ،ثم أثمر تغير الإرادة أعمال الجوارح في إطراح الدنيا،و الإقبال على أعمال الآخرة فهاهنا خمس درجات:
أولاها:التذكر،و هو إحضار المعرفتين في القلب و ثانيتها:التفكر،و هو طلب المعرفة المقصودة منهما و الثالثة:حصول المعرفة المطلوبة،و استنارة القلب بها و الرابعة:تغير حال القلب عما كان بسبب حصول نور المعرفة و الخامسة:خدمة الجوارح للقلب،بحسب ما يتجدد له من الحال.فكما يضرب الحجر على الحديد فيخرج منه نار يستضيء بها الموضع،فتصير العين مبصرة بعد أن لم تكن مبصرة،و تنتهض الأعضاء للعمل،فكذلك زناد نور المعرفة هو الفكر،فيجمع بين المعرفتين كما يجمع بين الحجر و الحديد،و يؤلف بينهما تأليفا مخصوصا كما يضرب الحجر على الحديد ضربا مخصوصا،فينبعث نور المعرفة كما تنبعث النار من الحديد،و يتغير القلب بسبب هذا النور حتى يميل إلى ما لم يكن يميل إليه.كما يتغير البصر بنور النار فيرى ما لم يكن يراه،ثم تنتهض الأعضاء للعمل بمقتضى حال القلب،كما ينتهض العاجز عن العمل بسبب الظلمة للعمل عند إدراك البصر ما لم يكن يبصره فإذا ثمرة الفكر العلوم و الأحوال،و العلوم لا نهاية لها،و الأحوال التي تتصور أن تتقلب على القلب لا يمكن حصرها .و لهذا لو أراد مريد أن يحصر فنون الفكر و مجاريه، و أنه فيما ذا يتفكر،لم يقدر عليه،لأن مجاري الفكر غير محصورة،و ثمراته غير متناهية.
نعم نحن نجتهد في ضبط مجاريه بالإضافة إلى مهمات العلوم الدينية،و بالإضافة إلى الأحوال التي هي مقامات السالكين،و يكون ذلك ضبطا جمليا، فإن تفصيل ذلك يستدعى شرح العلوم كلها،و جملة هذه الكتب كالشرح لبعضها،فإنها مشتملة على علوم،تلك العلوم تستفاد من أفكار مخصوصة،فانشر إلى ضبط المجامع فيها ليحصل الوقوف على مجاري الفكر م ٩:خامس عشر-إحياء