إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٤٧ - المرابطة السادسة
و صرفك عن السعي فيها،فكذبته بأفعالك.و أصبحت تتكالبين على طلبها تكالب المدهوش المستهتر،و وكل أمر الآخرة إلى سعيك،فأعرضت عنها إعراض المغرور المستحقر ما هذا من علامات الإيمان.لو كان الإيمان باللسان فلم كان المنافقون في الدرك الأسفل من النار ؟ ويحك يا نفس،كأنك لا تؤمنين بيوم الحساب،و تظنين أنك إذا مت انفلت و تخلصت و هيهات،أ تحسبين أنك تتركين سدى،أ لم تكوني نطفة من مني يمني،ثم كنت علقة فخلق فسوى،أ ليس ذلك بقادر على أن يحي الموتى؟فإن كان هذا من إضمارك فما أكفرك و أجهلك!أما تتفكرين أنه مما ذا خلقك،من نطفة خلقك فقدّرك،ثم السبيل يسرك،ثم أماتك فأقبرك،أ فتكذبينه في قوله ثم إذا شاء أنشرك؟فإن لم تكوني مكذبة فما لك لا تأخذين حذرك؟و لو أن يهوديا أخبرك في ألذ أطعمتك بأنه يضرك في مرضك لصبرت عنه و تركته و جاهدت نفسك فيه،أ فكان قول الأنبياء المؤيدين بالمعجزات،و قول اللّه تعالى في كتبه المنزلة،أقل عندك تأثيرا من قول يهودى يخبرك عن حدس،و تخمين،و ظن،مع نقصان عقل،و قصور علم؟ و العجب أنه لو أخبرك طفل بأن في ثوبك عقربا لرميت ثوبك في الحال من غير مطالبة له بدليل و برهان،أ فكان قول الأنبياء،و العلماء،و الحكماء،و كافة الأولياء أقل عندك من قول صبي من جملة الأغبياء؟أم صار حر جهنم،و أغلالها،و أنكالها،و زقومها و مقامعها،و صديدها،و سمومها،و أفاعيها،و عقاربها،أحقر عندك من عقرب لا تحسين بألمها إلا يوما أو أقل منه؟ما هذه أفعال العقلاء.بل لو انكشف للبهائم حالك لضحكوا منك،و سخروا من عقلك.فإن كنت يا نفس قد عرفت جميع ذلك،و آمنت به، فما لك تسوفين العمل،و الموت لك بالمرصاد،و لعله يختطفك من غير مهلة فبما ذا أمنت استعجال الأجل.و هبك أنت وعدت بالإمهال مائة سنة ،أ فتظنين أن من يطعم الدابة في حضيض العقبة يفلح و يقدر على قطع العقبة بها؟إن ظننت ذلك فما أعظم جهلك!أ رأيت لو سافر رجل ليتفقه في الغربة،فأقام فيها سنين متعطلا،بطالا ،يعدّ نفسه بالتفقه في السنة الأخيرة عند رجوعه إلى وطنه،هل كنت تضحكين من عقله و ظنه أن تفقيه النفس مما يطمع فيه بمدة قريبة،أو حسبانه أن مناصب الفقهاء تنال من غير تفقه اعتمادا على كرم اللّه سبحانه و تعالى ثم هي أن الجهد في آخر العمر نافع،و أنه موصل إلى الدرجات العلا،فلعل اليوم آخر عمرك