إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٨١ - بيان
الباب السّابع
في حقيقة الموت و ما يلقاه الميت في القبر إلى نفخة الصور
بيان
حقيقة الموت
اعلم أن للناس في حقيقة الموت ظنونا كاذبة قد أخطئوا فيها .فظن بعضهم أن الموت هو العدم،و أنه لا حشر و لا نشر،و لا عاقبة للخير و الشر،و أن موت الإنسان كموت الحيوانات و جفاف النبات،و هذا رأي الملحدين.و كل من لا يؤمن باللّه و اليوم الآخر و ظنّ قوم أنه ينعدم بالموت،و لا يتألم بعقاب،و لا يتنعم بثواب ما دام في القبر،إلى أن يعاد في وقت الحشر و قال آخرون:إن الروح باقية لا تنعدم بالموت،و إنما المثاب و المعاقب هي الأرواح دون الأجساد،و إن الأجساد لا تبعث و لا تحشر أصلا و كل هذه ظنون فاسدة و مائلة عن الحق.بل الذي تشهد له طرق الاعتبار،و تنطق به الآيات و الأخبار،أن الموت معناه تغير حال فقط،و أن الروح باقية بعد مفارقة الجسد إما معذبة و إما منعمة .و معنى مفارقتها للجسد انقطاع تصرفها عن الجسد بخروج الجسد عن طاعتها،فإن الأعضاء آلات للروح تستعملها،حتى أنها لتبطش باليد،و تسمع بالأذن و تبصر بالعين،و تعلم حقيقة الأشياء بالقلب.و القلب هاهنا عبارة عن الروح،و الروح تعلم الأشياء بنفسها من غير آلة،و لذلك قد يتألم بنفسه بأنواع الحزن،و الغم،و الكمد و يتنعم بأنواع الفرح و السرور،و كل ذلك لا يتعلق بالأعضاء.فكل ما هو وصف للروح بنفسها فيبقى معها بعد مفارقة الجسد،و ما هو لها بواسطة الأعضاء فيتعطل بموت الجسد إلى أن تعاد الروح إلى الجسد،و لا يبعد أن تعاد الروح إلى الجسد في القبر و لا يبعد أن تؤخر إلى يوم البعث و اللّه أعلم بما حكم به على كل عبد من عباده و إنما تعطل الجسد بالموت يضاهي تعطل أعضاء الزمن بفساد مزاج يقع فيه،و بشدة