إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٧٩ - بيان
ضرير يقرأ عند القبر،فقال له أحمد:يا هذا إن القراءة عند القبر بدعة فلما خرجنا من المقابر قال محمد بن قدامة لأحمد:يا أبا عبد اللّه،ما تقول في مبشر بن إسماعيل الحلبي؟ قال ثقة.قال هل كتبت عنه شيئا؟قال نعم.قال أخبرني مبشر بن إسماعيل،عن عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج،عن أبيه،أنه أوصى إذا دفن أن يقرأ عند رأسه فاتحة البقرة و خاتمتها.و قال:سمعت ابن عمر يوصى بذلك.فقال له أحمد.فارجع إلى الرجل فقل له يقرأ.و قال محمد بن أحمد المروزي .سمعت أحمد بن حنبل يقول:إذا دخلتم المقابر فاقرءوا بفاتحة الكتاب،و المعوذتين،و قل هو اللّه أحد،و اجعلوا ثواب ذلك لأهل المقابر فإنه يصل إليهم.و قال أبو قلابة:أقبلت من الشام إلى البصرة،فنزلت الخندق،فتطهرت و صليت ركعتين بليل،ثم وضعت رأسي على قبر فنمت،ثم تنبّهت،فإذا صاحب القبر يشتكينى يقول:لقد آذيتني منذ الليلة،ثم قال:إنكم لا تعلمون و نحن نعلم و لا نقدر على العمل.ثم قال:للركعتان اللتان ركعتهما خير من الدنيا و ما فيها.ثم قال:جزى اللّه عنا أهل الدنيا خيرا،أقرئهم السلام،فإنه قد يدخل علينا من دعائهم نور أمثال الجبال فالمقصود من زيارة القبور للزائر الاعتبار بها،و للمزور الانتفاع بدعائه ،فلا ينبغي أن يغفل الزائر عن الدعاء لنفسه و للميت،و لا عن الاعتبار به.و إنما يحصل له الاعتبار بأن يصور في قلبه الميت كيف تفرقت أجزاؤه ،و كيف يبعث من قبره،و أنه على القرب سيلحق به،كما روي عن مطرف بن أبي بكر الهذلي قال.كانت عجوز في عبد القيس متعبدة،فكان إذا جاء الليل تحزّمت ثم قامت إلى المحراب،و إذا جاء النهار خرجت إلى القبور.فبلغني أنها عوتبت في كثرة إتيانها المقابر فقالت:إن القلب القاسي إذا جفا لم يلينه إلا رسوم البلى،و إنى لآتى القبور فكأنى أنظر و قد خرجوا من بين أطباقها، و كأنى أنظر إلى تلك الوجوه المتعفرة،و إلى تلك الأجسام المتغيرة،و إلى تلك الأجفان الدسمة،فيا لها من نظرة لو أشربها العباد قلوبهم ما أنكل مرارتها للأنفس،و أشد تلفها للأبدان.بل ينبغي أن يحضر من صورة الميت ما ذكره عمر بن عبد العزيز،حيث دخل عليه فقيه،فتعجب من تغير صورته لكثرة الجهد و العبادة،فقال له يا فلان،لو رأيتني