إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٣٠ - الباب الثالث
الداهية الثانية:مشاهدة صورة ملك الموت،و دخول الروع و الخوف منه على القلب فلو رأى صورته!التي يقبض عليها روح العبد المذنب أعظم الرجال قوة لم يطق رؤيته.
فقد روي عن إبراهيم الخليل عليه السلام أنه قال لملك الموت:هل تستطيع أن تريني صورتك التي تقبض عليها روح الفاجر.قال لا تطيق ذلك.قال بلى،قال فأعرض عنى.فأعرض عنه ثم التفت،فإذا هو برجل أسود،قائم الشعر،منتن الريح،أسود الثياب،يخرج من فيه و مناخيره لهيب النار و الدخان.فغشي على إبراهيم عليه السلام،ثم أفاق و قد عاد ملك الموت إلى صورته الأولى.فقال يا ملك الموت،لو لم يلق الفاجر عند الموت إلا صورة وجهك لكان حبه.و روى[١]أبو هريرة عن النبي صلى اللّه عليه و سلم«أنّ داود عليه السّلام كان رجلا غيور أو كان إذا خرج أغلق الأبواب فأغلق ذات يوم و خرج فأشرفت امرأته فإذا هي برجل في الدّار فقالت من أدخل هذا الرّجل لئن جاء داود ليلقينّ منه عناء فجاء داود فرآه فقال من أنت؟فقال أنا الّذي لا أهاب الملوك و لا يمنع منّى الحجاب فقال فأنت و اللّه إذا ملك الموت و زمل داود عليه السّلام مكانه» و روي أن عيسى عليه السلام مرّ بجمجمة فضربها برجله،فقال:تكلّمى بإذن اللّه .
فقالت يا روح اللّه،أنا ملك زمان كذا و كذا،بينا أنا جالس في ملكي عليّ تاجي،و حولى جنودي و حشمى،على سرير ملكى،إذ بدا لي ملك الموت،فزال منى كل عضو على حياله ثم خرجت نفسي إليه،فيا ليت ما كان من تلك الجموع كان فرقة،و يا ليت ما كان من ذلك الأنس كان وحشة .فهذه داهية يلقاها العصاة،و يكفاها المطيعون.فقد حكى الأنبياء مجرد سكرة النزع،دون الروعة التي يدركها من يشاهد صورة ملك الموت كذلك.و لو رآها في منامه ليلة لتنغص عليه بقية عمره،فكيف برؤيته في مثل تلك الحال و أما المطيع فإنه يراه في أحسن صورة و أجملها.فقد روى عكرمة عن ابن عباس، أن إبراهيم عليه السلام كان رجلا غيورا،و كان له بيت يتعبد فيه فإذا خرج