إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٢٩ - الباب الثالث
لأن في كل شعرة الموت،و لا يقع الموت بشيء إلا مات و يروى[١]لو أن قطرة من ألم الموت وضعت على جبال الدنيا كلها لذابت و روي أن إبراهيم عليه السلام لما مات قال اللّه تعالى له:كيف وجدت الموت يا خليلى؟ قال كسفّود جعل في صوف رطب ثم جذب فقال:أما إنا قد هوّنا عليك و روي عن موسى عليه السلام أنه لما صارت روحه إلى اللّه تعالى قال له ربه:يا موسى كيف وجدت الموت؟قال وجدت نفسي كالعصفور حين يقلي على المقلى،لا يموت فيستريح و لا ينجو فيطير.و روي عنه أنه قال:وجدت نفسي كشاة حية تسلخ بيد القصاب و روي عن النبي صلى اللّه عليه و سلم[٢]أنه كان عنده قدح من ماء عند الموت،فجعل يدخل يده في الماء ثم يمسح بها وجهه و يقول«اللهمّ هوّن عليّ سكرات الموت» [٣]و فاطمة رضي اللّه عنها تقول:وا كرباه لكربك يا أبتاه!و هو يقول«لا كرب على أبيك بعد اليوم».و قال عمر رضي اللّه عنه لكعب الأحبار:يا كعب،حدثنا عن الموت.فقال نعم يا أمير المؤمنين:إن الموت كغصن كثير الشوك أدخل في جوف رجل،و أخذت كل شوكة بعرق،ثم جذبه رجل شديد الجذب،فأخذ ما أخذ،و أبقى ما أبقى و قال النبي صلى اللّه عليه و سلم[٤]«إنّ العبد ليعالج كرب الموت و سكرات الموت و إنّ مفاصله ليسلّم بعضها على بعض تقول عليك السّلام تفارقني و أفارقك إلى يوم القيامة» :فهذه سكرات الموت على أولياء اللّه و أحبابه،فما حالنا و نحن المنهمكون في المعاصي!و تتوالى علينا مع سكرات الموت بقية الدواهي!فإن دواهى الموت ثلاث الأولى:شدة النزع كما ذكرناه