إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٥٩ - و أما تقوية باعث الدين،فإنما تكون بطريقين
الشاقة،تؤكد القوى التي تصدر منها تلك الأعمال.و لذلك تزيد قوة الحمالين،و الفلاحين و المقاتلين.و بالجملة فقوة الممارسين للأعمال الشاقة تزيد على قوة الخياطين،و العطارين، و الفقهاء،و الصالحين .و ذلك لأن قواهم لم تتأكد بالممارسة فالعلاج الأوّل يضاهي إطماع المصارع بالخلعة عند الغلبة،و وعده بأنواع الكرامة،كما وعد فرعون سحرته عند إغرائه إياهم بموسى حيث قال وَ إِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ [١]و الثاني يضاهي تعويد الصبي الذي يراد منه المصارعة و المقاتلة،بمباشرة أسباب ذلك منذ الصبا حتى يأنس به،و يستجرئ عليه،و تقوى فيه منته.فمن ترك بالكلية المجاهدة بالصبر ضعف فيه باعث الدين.و لا يقوى على الشهوة و إن ضعفت.و من عود نفسه مخالفة الهوى غلبها مهما أراد فهذا منهاج العلاج في جميع أنواع الصبر.و لا يمكن استيفاؤه.و إنما أشدها كف الباطن عن حديث النفس.و إنما يشتد ذلك على من تفرغ له،بأن قمع الشهوات الظاهرة،و آثر العزلة،و جلس للمراقبة و الذكر و الفكر فإن الوسواس لا يزال يجاذبه من جانب إلى جانب و هذا لا علاج له البتة إلا قطع العلائق كلها ظاهر او باطنا،بالفرار عن الأهل،و الولد،و المال، و الجاه،و الرفقاء،و الأصدقاء.ثم الاعتزال إلى زاوية بعد إحراز قدر يسير من القوت ، و بعد القناعة به.ثم كل ذلك لا يكفي ما لم تصر الهموم هما واحدا،و هو اللّه تعالى.ثم إذا غلب ذلك على القلب فلا يكفي ذلك ما لم يكن له مجال في الفكر،و سير بالباطن في ملكوت السموات و الأرض،و عجائب صنع اللّه تعالى،و سائر أبواب معرفة اللّه تعالى حتى إذا استولى ذلك على قلبه دفع اشتغاله بذلك مجاذبة الشيطان و وسواسه.و إن لم يكن له سير بالباطن،فلا ينجيه إلا الأوراد المتواصلة المترتبة في كل لحظة من القراءة،و الأذكار، و الصلوات.و يحتاج مع ذلك إلى تكليف القلب الحضور.فإن الفكر بالباطن هو الذي يستغرق القلب دون الأوراد الظاهرة.ثم إذا فعل ذلك كله لم يسلم له من الأوقات إلا بعضها إذ لا يخلو في جميع أوقاته عن حوادث تتجدّد،فتشغله عن الفكر و الذكر من مرض،و خوف،و إيذاء من إنسان،و طغيان من مخالط،إذ لا يستغنى عن مخالطة من يعينه في بعض أسباب المعيشة،فهذا أحد الأنواع الشاغلة
[١] الشعراء:٤٢