إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٠٩ - قسمة خامسة
درجات المصلين فأحسنهم وجها أولاهم بالإمامة.و قال تعالى ممتنا بذلك وَ زٰادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَ الْجِسْمِ [١]و لسنا نعني بالجمال ما يحرك الشهوة،فإن ذلك أنوثة.و إنما نعني به ارتفاع القامة على الاستقامة،مع الاعتدال في اللحم،و تناسب الأعضاء،و تناصف خلقة الوجه، بحيث لا تنبو الطباع عن النظر إليه.فإن قلت فقد أدخلت المال،و الجاه،و النسب و الأهل،و الولد في حيز النعم،و قد ذم اللّه تعالى المال و الجاه،و كذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم[١]،و كذا العلماء،قال تعالى إِنَّ مِنْ أَزْوٰاجِكُمْ وَ أَوْلاٰدِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ [٢]و قال عز و جل إِنَّمٰا أَمْوٰالُكُمْ وَ أَوْلاٰدُكُمْ فِتْنَةٌ [٣]و قال على كرم اللّه وجهه في ذم النسب:الناس أبناء ما يحسنون،و قيمة كل امرئ ما يحسنه.و قيل.المرء بنفسه لا بأبيه.فما معنى كونها نعمة مع كونها مذمومة شرعا.فاعلم أن من يأخذ العلم من الألفاظ المنقولة المؤولة،و العمومات المخصصة،كان الضلال عليه أغلب،ما لم يهتد بنور اللّه تعالى إلى إدراك العلوم على ما هي عليه،ثم ينزل النقل على وفق ما ظهر له منها،بالتأويل مرة،و بالتخصيص أخرى.فهذه نعم معينة على أمر الآخرة لا سبيل إلى جحدها.إلا أن فيها فتنا و مخاوف.فمثال المال مثال الحية التي فيها ترياق نافع،و سم نافع.فإن أصابها المعزم الذي يعرف وجه الاحتراز عن سمها،و طريق استخراج ترياقها النافع،كانت نعمة.و إن أصابها السوادي الغر،فهي عليه بلاء و هلاك.و هو مثل البحر الذي تحته أصناف الجواهر و اللآلئ،فمن ظفر بالبحر،فإن كان عالما بالسباحة،و طريق الغوص،و طريق الاحتراز عن مهلكات البحر،فقد ظفر بنعمه.و إن خاضه جاهلا بذلك،فقد هلك.فلذلك مدح اللّه تعالى المال و سماه خيرا.و مدحه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم و قال«نعم العون على تقوى اللّه تعالى المال»و كذلك مدح الجاه و العز،إذ منّ اللّه تعالى على رسوله صلّى اللّه عليه و سلم بأن أظهره على الدين كله،و حببه في قلوب الخلق،و هو المعنيّ بالجاه.و لكن المنقول في مدحهما قليل،و المنقول في ذم المال و الجاه كثير.و حيث ذم الرياء فهو ذم الجاه إذ الرياء مقصوده اجتلاب القلوب،و معنى الجاه ملك القلوب.و إنما كثر هذا و قل ذاك
[١] البقرة:٢٤٧
[٢] التغابن:٤
[٣] التغابن:١٥