إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٨٩
وَ لاٰ تَحْمِلْ عَلَيْنٰا إِصْراً [١] و قال تعالى وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ الْأَغْلاٰلَ الَّتِي كٰانَتْ عَلَيْهِمْ [٢]و روى[١] محمد بن الحنفية،عن عليّ رضي اللّه تعالى عنهما أنه قال لما نزل قوله تعالى فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ [٣]قال«يا جبريل و ما الصّفح الجميل»قال عليه السّلام.إذا عفوت عمن ظلمك فلا تعاتبه،فقال«يا جبريل فاللّه تعالى أكرم من أن يعاتب من عفا عنه»فبكى جبريل و بكى النبي صلّى اللّه عليه و سلم،فبعث اللّه تعالى إليهما ميكائيل عليه السّلام و قال إن ربكما يقرئكما السّلام و يقول.كيف أعاتب من عفوت عنه؟هذا ما لا يشبه كرمى و الأخبار الواردة في أسباب الرجاء أكثر من أن تحصى .و أما الآثار:فقد قال على كرم اللّه وجهه.من أذنب ذنبا فستره اللّه عليه في الدنيا،فاللّه أكرم من أن يكشف ستره في الآخرة.و من أذنب ذنبا فعوقب عليه في الدنيا،فاللّه تعالى أعدل من أن يثنى عقوبته على عبده في الآخرة،و قال الثوري:ما أحب أن يجعل حسابي إلى أبوي،لأبي أعلم أن اللّه تعالى أرحم بي منهما .و قال بعض السلف:المؤمن إذا عصى اللّه تعالى ستره عن أبصار الملائكة،كيلا تراه فتشهد عليه.و كتب محمد بن صعب إلى أسود بن سالم بخطه إن العبد إذا كان مسرفا على نفسه،فرفع يديه يدعو يقول يا ربي،حجبت الملائكة صوته و كذا الثانية و الثالثة.حتى إذا قال الرابعة يا ربي،قال اللّه تعالى حتى متى تحجبون عنى صوت عبدي؟قد علم عبدي أنه ليس له رب يغفر الذنوب غيري.أشهدكم أنى قد غفرت له و قال إبراهيم بن أدهم رحمة اللّه عليه:خلا لي الطواف ليلة،و كانت ليلة مطيرة مظلمة.
فوقفت في الملتزم عند الباب،فقلت يا ربي اعصمنى حتى لا أعصيك أبدا.فهتف بي هاتف من البيت،يا إبراهيم،أنت تسألني العصمة،و كل عبادي المؤمنين يطلبون منى ذلك.فإذا عصمتهم فعلى من أتفضل؟و لمن أغفر؟.و كان الحسن يقول.لو لم يذنب المؤمن لكان يطير في ملكوت السموات،و لكن اللّه تعالى قمعه بالذنوب.
و قال الجنيد رحمه اللّه تعالى:إن بدت عين من الكرم ألحقت المسيئين بالمحسنين.
و لقي مالك بن دينار أبانا فقال له.إلى كم نحدث الناس بالرخص؟فقال يا أبا يحيى،
[١] البقرة:٢٨٦
[٢] الأعراف:١٥٧
[٣] الحجر:٨٥