إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٣٥ - بيان
و أما الآثار
،فقد وجد في رسالة عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه إلى أبي موسى الأشعري:
عليك بالصبر.و اعلم أن الصبر صبران،أحدهما أفضل من الآخر.الصبر في المصيبات حسن و أفضل منه الصبر عما حرم اللّه تعالى.و اعلم أن الصبر ملاك الإيمان،و ذلك بأن التقوى أفضل البر،و التقوى بالصبر.و قال علىّ كرم اللّه وجهه:بنى الإيمان على أربع دعائم اليقين،و الصبر،و الجهاد،و العدل.و قال أيضا:الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد و لا جسد لمن لا رأس له،و لا إيمان لمن لا صبر له و كان عمر رضى اللّه عنه يقول:نعم العدلان،و نعمت العلاوة للصابرين.يعنى بالعدلين الصلاة و الرحمة،و بالعلاوة الهدى.و العلاوة ما يحمل فوق العدلين على البعير و أشار به إلى قوله تعالى أُولٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوٰاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَ رَحْمَةٌ وَ أُولٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [١].
و كان حبيب بن أبي حبيب إذا قرأ هذه الآية إِنّٰا وَجَدْنٰاهُ صٰابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوّٰابٌ [٢]بكى و قال:وا عجباه!أعطى و أثنى.أي هو المعطى للصبر و هو المثنى و قال أبو الدرداء:ذروة الإيمان الصبر للحكم،و الرضا بالقدر.هذا بيان فضيلة الصبر من حيث النقل.و أما من حيث النظر بعين الاعتبار،فلا تفهم إلا بعد فهم حقيقة الصبر و معناه إذ معرفة الفضيلة و الرتبة معرفة صفة فلا تحصل قبل معرفة الموصوف فلنذكر حقيقته و معناه،و باللّه التوفيق:
بيان
حقيقة الصبر و معناه
اعلم أن الصبر مقام من مقامات الدين،و منزل من منازل السالكين.و جميع مقامات الدين إنما تنتظم من ثلاثة أمور:معارف،و أحوال،و أعمال.فالمعارف هي الأصول، و هي تورث الأحوال.و الأحوال تثمر الأعمال.فالمعارف كالأشجار،و الأحوال كالأغصان،و الأعمال كالثمار.و هذا مطرد في جميع منازل السالكين إلى اللّه تعالى.و اسم الإيمان تارة يختص بالمعارف،و تارة يطلق على الكل،كما ذكرناه في اختلاف اسم الإيمان و الإسلام في كتاب قواعد العقائد.و كذلك الصبر،لا يتم إلا بمعرفة سابقة،و بحالة قائمة
[١] البقرة:١٥٧
[٢] ص:٤٤