إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٠٤ - قسمة خامسة
الحقيقة.و لذلك قال رسول صلّى اللّه عليه و سلم«لا عيش إلاّ عيش الآخرة»و قال ذلك مرة في الشدة تسلية للنفس،و ذلك في وقت[١]حفر الخندق في شدة الضر.و قال ذلك مرة في السرور منعا للنفس من الركون إلى سرور الدنيا،و ذلك،عند إحداق الناس به[٢] في حجة الوداع.و قال رجل:[٣]اللهم إنى أسألك تمام النعمة.فقال النبي صلّى اللّه عليه و سلم «و هل تعلم ما تمام النّعمة؟»قال لا.قال«تمام النّعمة دخول الجنّة» و أما الوسائل فتنقسم إلى الأقرب الأخص كفضائل النفس و إلى ما يليه في القرب كفضائل البدن،و هو الثاني،و إلى ما يليه في القرب و يجاوز إلى غير البدن، كالأسباب المطيفة بالبدن من المال،و الأهل و العشيرة و إلى ما يجمع بين هذه الأسباب الخارجة عن النفس و بين الحاصلة للنفس كالتوفيق و الهداية.فهي إذا أربعة أنواع النوع الأوّل:و هو الأخص.الفضائل النفسية.و يرجع حاصلها مع انشعاب أطرافها إلى الإيمان و حسن الخلق و ينقسم الإيمان إلى علم المكاشفة،و هو العلم باللّه تعالى،و صفاته و ملائكته،و رسله،و إلى علوم المعاملة.و حسن الخلق ينقسم إلى قسمين:ترك مقتضى الشهوات و الغضب،و اسمه العفة،و مراعاة العدل في الكف عن مقتضى الشهوات و الإقدام حتى لا يمتنع أصلا،و لا يقدم كيف شاء،بل يكون إقدامه و إحجامه بالميزان العدل الذي أنزله اللّه تعالى على لسان رسوله صلّى اللّه عليه و سلم،إذ قال تعالى أَلاّٰ تَطْغَوْا فِي الْمِيزٰانِ وَ أَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَ لاٰ تُخْسِرُوا الْمِيزٰانَ [١]فمن خصى نفسه ليزيل شهوة النكاح أو ترك النكاح مع القدرة و الأمن من الآفات،أو ترك الأكل حتى ضعف عن العبادة و الذكر و الفكر،فقد أخسر الميزان.و من انهمك في شهوة البطن و الفرج،فقد طغى في الميزان.و إنما العدل أن يخلو وزنه و تقديره عن الطغيان و الخسران،فتعتدل به كفتا الميزان فإذا الفضائل الخاصة بالنفس المقربة إلى اللّه تعالى أربعة.علم مكاشفة،و علم معاملة،
[١] الرحمن:٧،٩