إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٢٠ - الطرف الثالث
بخلق الكف.ثم قسم رأس الكف بخمسة أقسام هي الأصابع.و جعلها في صفين.بحيث يكون الإبهام في جانب.و يدور على الأربعة الباقية.و لو كانت مجتمعة أو متراكمة لم يحصل بها تمام غرضك.فوضعها وضعا إن بسطتها كانت لك مجرفة،و إن ضممتها كانت لك مغرفة ، و إن جمعتها كانت لك آلة للضرب،و إن نشرتها ثم قبضتها كانت لك آلة في القبض .ثم خلق لها أظفارا،و أسند إليها رءوس الأصابع حتى لا تتفتت ،و حتى تلتقط بها الأشياء الدقيقة التي لا تحويها الأصابع فتأخذها برءوس أظفارك.ثم هب أنك أخذت الطعام باليدين،فمن أين يكفيك هذا،ما لم يصل إلى المعدة و هي في الباطن فلا بد و أن يكون من الظاهر دهليز إليها،حتى يدخل الطعام منه.فجعل الفم منفذا إلى المعدة،مع ما فيه من الحكم الكثيرة سوى كونه منفذا للطعام إلى المعدة،ثم إن وضعت الطعام في الفم و هو قطعة واحدة،فلا يتيسر ابتلاعه،فتحتاج إلى طاحونة تطحن بها الطعام،فخلق لك اللحيين من عظمين، و ركب فيهما الأسنان،و طبق الأضراس العليا على السفلى لتطحن بهما الطعام طحنا ثم الطعام تارة يحتاج إلى الكسر،و تارة إلى القطع.ثم يحتاج إلى طحن بعد ذلك.فقسم الأسنان إلى عريضة طواحين كالأضراس.و إلى حادة قواطع كالرباعيات.و إلى ما يصلح للكسر كالأنياب .ثم جعل مفصل اللحيين متخللا بحيث يتقدم الفك الاسفل و يتأخر،حتى يدور على الفك الأعلى دوران الرحى.و لو لا ذلك لما تيسر إلا ضرب أحدهما على الآخر مثل تصفيق اليدين مثلا،و بذلك لا يتم الطحن.فجعل اللحى الأسفل متحركا حركة دورية و اللحى الأعلى ثابتا لا يتحرك فانظر إلى عجيب صنع اللّه تعالى،فإن كل رحى صنعه الخلق فيثبت منه الحجر الأسفل و يدور الأعلى إلا هذا الرحى الذي صنعه اللّه تعالى إذ يدور منه الأسفل على الأعلى .فسبحانه ما أعظم شأنه و أعز سلطانه،و أتم برهانه و أوسع امتنانه ثم هب أنك وضعت الطعام في فناء الفم،فكيف يتحرك الطعام إلى ما تحت الأسنان، أو كيف تستجره الأسنان إلى نفسها،أو كيف يتصرف باليد في داخل الفم فانظر كيف أنعم اللّه عليك بخلق اللسان فإنه يطوف في جوانب الفم،و يرد الطعام من الوسط إلى الأسنان بحسب الحاجة كالمجرفة التي ترد الطعام إلى الرحى.هذا مع ما فيه من فائدة الذوق .
و عجائب قوة النطق.و الحكم التي لسنا نطنب بذكرها.ثم هب أنك قطعت الطعام و طحنته